حين تصبح السياسة مسؤولية تاريخية
ما الذي نريده من المرشح للمؤسسة التشريعية الفلسطينية؟
حين تصبح السياسة مسؤولية تاريخية
ما الذي نريده من المرشح للمؤسسة التشريعية الفلسطينية؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تمر الشعوب في تاريخها بلحظات لا يعود فيها السؤال متعلقًا بمن يستطيع أن يتحدث أكثر، أو من يجيد مخاطبة العاطفة الجمعية، وإنما بمن يمتلك القدرة على تحويل الذاكرة إلى مشروع، والتضحيات إلى مؤسسات، والأمل إلى سياسات، والإرادة الوطنية إلى قدرة على الفعل.
والشعب الفلسطيني يعيش واحدة من أكثر هذه اللحظات تعقيدًا في تاريخه الحديث. فهو لا يواجه فقط تحديات الاحتلال، وإنما يواجه كذلك أسئلة الدولة والمؤسسة والشرعية والتمثيل والوحدة الوطنية والاقتصاد والتعليم والعدالة الاجتماعية والعلاقات الدولية. ولهذا فإن الحديث عن الانتخابات والمؤسسات التشريعية لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة المرحلة التاريخية التي نعيشها.
من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي نقاش حول المرشحين للمجلس التشريعي ليس: من الأكثر قدرة على استثارة المشاعر؟ ولا: من يملك السيرة الوطنية الأكثر تأثيرًا؟ وإنما السؤال الأهم هو: من يمتلك المعرفة والخبرة والرؤية والقدرة على تحويل الإرادة الوطنية إلى عمل مؤسسي؟
فالمؤسسة التشريعية ليست منبرًا أدبيًا، ولا ساحة للمواعظ الوطنية، ولا منصة لاستعادة خطاب النضال بمعناه التعبوي وحده. إنها، في جوهرها، إحدى أدوات بناء الدولة والمجتمع، ووظيفتها أن تشرّع وتراقب وتحاسب وتمثل المواطنين وتحمي الحقوق وتضع الإطار القانوني الذي تنتظم في ظله الحياة العامة.
وهذه الحقيقة ليست فلسطينية فقط، بل هي خلاصة تجربة تاريخية مرت بها شعوب كثيرة اضطرت إلى الانتقال من الصراع إلى بناء المؤسسات.
فجنوب أفريقيا، بعد عقود من نظام الفصل العنصري، لم تتعامل مع الانتقال باعتباره مجرد انتصار سياسي أو احتفال بنهاية مرحلة، بل جعلت من بناء النظام الدستوري والمؤسسات والحقوق والرقابة جزءًا من مشروعها الوطني. وينص الدستور الجنوب أفريقي على أن البرلمان لا يكتفي بالتشريع، بل يمثل الشعب، ويناقش القضايا العامة، ويمارس الرقابة على السلطة التنفيذية ويحاسبها.
وهنا تكمن إحدى أهم الدروس: التحرر السياسي لا يكتمل بمجرد امتلاك الخطاب؛ بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حماية المعنى الذي ناضل الناس من أجله.
والتجربة الإيرلندية الشمالية تقدم درسًا آخر. فقد جاءت اتفاقية الجمعة العظيمة عام 1998 بعد عقود طويلة من الصراع، ولم يكن جوهر التجربة مجرد إنهاء العنف، بل بناء ترتيبات سياسية ومؤسساتية تقوم على المشاركة وتقاسم السلطة والاعتراف بالتعدد وحماية الحقوق. وقد أنشأت الاتفاقية مؤسسات للحكم والعلاقات بين الشمال والجنوب والعلاقات البريطانية الإيرلندية، بحيث يصبح التفاوض والمؤسسة جزءًا من إدارة الخلاف بدل أن يبقى الخلاف أسيرًا لمنطق الصراع المفتوح.
أما رواندا، التي خرجت من كارثة إنسانية هائلة، فقد أعادت بناء مؤسساتها على أساس أن الدولة لا يمكن أن تستمر بالذاكرة وحدها، وإنما تحتاج إلى تشريع ورقابة وحوكمة ومؤسسات. ويعرّف البرلمان الرواندي مهمته بصورة مباشرة باعتبارها التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية نيابة عن الشعب.
هذه التجارب مختلفة عن الحالة الفلسطينية في أسبابها وسياقاتها ونتائجها، ولا يجوز نقل نماذجها كما هي. لكن بينها قاسمًا مشتركًا يستحق التأمل:
الشعوب التي عاشت الصراع الطويل لم تكتفِ بتخليد تضحياتها؛ حاولت أن تبني مؤسسات تستطيع أن تحمي ما أنجزته تضحياتها.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة الفلسطينية.
نحن لا نحتاج إلى مرشح يستطيع أن يثبت لنا أنه يحب فلسطين. هذه ليست المسألة.
ولا نحتاج إلى من يعيد علينا سرد تاريخ المعاناة، فالفلسطينيون يعرفون تاريخهم أكثر من أي خطاب انتخابي.
ولا نحتاج إلى منافسة في استخدام مفردات الكرامة والشرف والأمل والتضحيات والأجيال القادمة. كل هذه المعاني راسخة في الوعي الفلسطيني، وهي أكبر من أن تكون مجرد أدوات انتخابية.
ما نحتاجه هو السياسة بمعناها المسؤول.
نحتاج إلى من يعرف كيف تُصاغ القوانين، وكيف تمارس الرقابة البرلمانية، وكيف تُدار اللجان، وكيف تُناقش الموازنات، وكيف تُحمى الحقوق والحريات، وكيف تتحول مطالب المجتمع إلى تشريعات، وكيف تصبح المؤسسة التشريعية مساحة للمساءلة لا مجرد مساحة للخطابة.
نحتاج إلى مرشح يستطيع أن يشرح للناس، بوضوح، ماذا سيفعل إذا وصل إلى المؤسسة.
ما أولوياته؟ ما رؤيته للإصلاح التشريعي؟ كيف يتعامل مع استقلال القضاء؟ كيف ينظر إلى الحريات العامة؟ كيف يعالج قضايا التعليم والصحة والعمل والاقتصاد؟ كيف يرى العلاقة بين السلطات؟ كيف يحمي المال العام؟ كيف يمارس الرقابة؟
كيف يساهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، بل هي جوهر التمثيل النيابي.
ومن هنا، فإن الخطاب التعبوي، مهما كان صادقًا، لا ينبغي أن يحل محل الخطاب السياسي. فالتعبئة تستطيع أن تحشد الناس في لحظة، لكنها لا تبني وحدها مؤسسة. والشعبوية تستطيع أن تمنح صاحبها حضورًا جماهيريًا، لكنها لا تمنحه تلقائيًا القدرة على التشريع أو التفاوض أو صناعة السياسات.
السياسة تبدأ حين ينتهي التصفيق.
فعندما ينتهي الخطاب، تبدأ الأسئلة الصعبة: ماذا نستطيع أن نفعل؟ ما حدود الممكن؟ ما الأولويات؟ من هم الشركاء؟ أين نقاط القوة؟ أين نقاط الضعف؟ ما البدائل؟ وما الكلفة؟
وهنا تحديدًا ينبغي أن نعيد تعريف مفهوم «المرشح الأفضل».
ليس بالضرورة أن يكون الأفضل هو الأكثر شهرة، ولا الأكثر قدرة على الخطابة، ولا صاحب السيرة الأكثر إثارة للمشاعر، ولا من يكرر أكثر عدد من المرات أنه يمتلك خطة.
الأفضل هو من يستطيع أن يعرض الخطة ويدافع عنها ويقبل مساءلته بشأنها.
والأفضل هو من يعرف أن العمل العام ليس امتيازًا شخصيًا، وإنما أمانة عامة.
والأهم أن المرحلة الفلسطينية الحالية لا تسمح بأن تتحول المؤسسة التشريعية إلى مدرسة لتعلم السياسة على حساب الناس.
التعلم فضيلة، وتجديد النخب ضرورة، وإعطاء الفرصة للأجيال الجديدة أمر صحي لأي مجتمع، لكن هناك فارقًا بين أن يدخل الإنسان الحياة العامة ليطور خبرته، وبين أن يدخل مؤسسة تشريعية في مرحلة مصيرية من دون امتلاك الحد الأدنى من الأدوات التي تمكنه من أداء مهمته.
لقد علمنا التاريخ أن الدول والمجتمعات لا تُبنى بالنوايا وحدها.
النوايا مهمة، لكنها تحتاج إلى معرفة. والإيمان مهم، لكنه يحتاج إلى عقل سياسي. والحماس مهم، لكنه يحتاج إلى مؤسسات.والذاكرة الوطنية مهمة، لكنها تحتاج إلى مشروع للمستقبل.
والتضحيات العظيمة لا تبرر ضعف المؤسسات؛ بل تفرض علينا أن نبني مؤسسات تليق بحجم تلك التضحيات.
من هنا، فإن معيار الاختيار ينبغي أن يرتفع.
لا ينبغي أن نسأل المرشح فقط عن ماضيه، وإنما عن المستقبل الذي يقترحه.
ولا ينبغي أن نكتفي بسماع ما يشعر به، بل علينا أن نعرف ما الذي يفكر فيه.
ولا يكفي أن يقول إنه يمتلك الأمل؛ عليه أن يشرح كيف يمكن تحويل الأمل إلى سياسة.
ولا يكفي أن يقول إنه يريد استقطاب الحلفاء؛ عليه أن يوضح من هم هؤلاء الحلفاء، وما المصالح المشتركة معهم، وما الأدوات التي يمكن استخدامها لبناء علاقة سياسية متوازنة.
ولا يكفي أن يقول إنه يريد فتح الأبواب؛ بل يجب أن يوضح أي أبواب، وبأي مفاتيح، وإلى أين تقود.
هذه ليست قسوة على المرشح، وإنما احترام لعقل الناخب.
فالناخب الفلسطيني ليس بحاجة إلى أن يُستدرج عاطفيًا إلى صندوق الاقتراع؛ بل يستحق أن يُعامل باعتباره شريكًا في صناعة القرار.
ولعل هذا هو الفارق بين الخطاب الذي يريد أصوات الناس والخطاب الذي يحترم عقولهم.
إن فلسطين التي دفعت هذا الثمن التاريخي من الشهداء والأسرى والمهجرين والمضحين، تستحق الأفضل دائمًا.
وتستحق أن تكون المنافسة الانتخابية منافسة في الكفاءة والرؤية والنزاهة والقدرة على العمل، لا منافسة في البلاغة واستدعاء الذاكرة فقط.
فالشعوب العظيمة لا تخلد نضالاتها بالقصائد وحدها، ولا تحمي انتصاراتها بالشعارات وحدها؛ وإنما تبني فوق تضحياتها مؤسسات قادرة على الاستمرار.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام أي تجربة فلسطينية مقبلة:
أن ننتقل من ثقافة الشخص إلى ثقافة المؤسسة، ومن قوة الخطاب إلى قوة البرنامج، ومن شرعية الماضي إلى مسؤولية المستقبل، ومن استدعاء التضحيات إلى حماية ثمارها.
ليس المطلوب أن نتخلى عن الذاكرة، ولا عن النضال، ولا عن الهوية، ولا عن الأمل.
بل المطلوب أن نحمي كل ذلك من أن يتحول إلى مادة للاستهلاك السياسي.
فالقضية التي صمدت كل هذه العقود تستحق سياسة ناضجة.
والشعب الذي تحمل كل هذا الألم يستحق ممثلين قادرين على حمل المسؤولية.
والمرحلة التي نقف أمامها لا تحتاج إلى مزيد من الكلام الجميل بقدر ما تحتاج إلى عقول تعرف، وضمائر تلتزم، ومؤسسات تعمل، ونخب تدرك أن التاريخ لا يسألنا فقط عمّا قلناه، وإنما عمّا بنيناه.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم اختيار أي مرشح ليس: هل قال الكلام الذي نحب سماعه؟
بل:
هل يستطيع أن يفعل ما تحتاجه المرحلة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
وذلك هو معنى أن نستحق الأفضل.
المحامي علي أبو حبلة
.



