بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيق

بقلم المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 1, 2026 - 16:33
بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيق

بين حرية التعبير وهيبة المؤسسة الأمنية: حين تصبح المنشورات الرسمية بحاجة إلى تدقيق
بقلم المحامي علي أبوحبلة
لا خلاف على أن مدينة طولكرم تستحق كل جهد يحافظ على جمالها وتنظيم أسواقها ويحمي شوارعها وأرصفةها ومرافقها العامة، ولا خلاف كذلك على أهمية الترحيب بأبناء شعبنا وزوار المدينة، وإبراز صورتها الحضارية والإنسانية، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال.
لكن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما تصدر منشورات أو مواقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن أشخاص يُنسبون إلى المؤسسة الأمنية أو ينضوون تحت مظلتها، لأن الصفة الوظيفية تفرض قدراً أعلى من الانضباط والدقة والحياد، وتستوجب التمييز بوضوح بين الرأي الشخصي والتعبير الرسمي.
ومن هنا، فإن أي منشور منسوب إلى أحد العاملين في مؤسسة أمنية، ولا سيما عندما يتناول أداء مؤسسة عامة أو إجراءات إنفاذ القانون أو يتضمن توجيهاً للرأي العام، يستحق التحقق من طبيعته ومصدره وصفة صاحبه، وما إذا كان يمثل رأياً شخصياً أم موقفاً رسمياً، وما إذا كان يتوافق مع الأنظمة والتعليمات ومدونات السلوك الوظيفي النافذة.
والحديث هنا ليس عن منع التعبير أو تقييد النقاش العام، وإنما عن تنظيم المسؤولية المرتبطة بالوظيفة العامة. فالموظف الأمني، بحكم موقعه، يحمل مسؤولية مضاعفة في اختيار عباراته ومواقفه، لأن ما ينشره قد يُفهم باعتباره موقفاً صادراً عن المؤسسة التي ينتمي إليها، حتى لو لم يقصد ذلك.
أما المنشور محل النقاش، والذي يدعو الإعلام إلى الارتقاء بصورة طولكرم، ويطالب باستبدال عبارة «إزالة التعديات» بعبارة «تنظيم وتجميل الأسواق»، ويؤكد ضرورة مراعاة الظروف الإنسانية للمواطنين، ويشيد بدور المجلس البلدي ويدعو إلى دعم عملية تنظيم المدينة، فإن بعض مضامينه قد تكون في جوهرها محل اتفاق مجتمعي، خصوصاً ما يتعلق بتنظيم الأسواق ومراعاة البعد الإنساني.
غير أن سلامة الهدف لا تعني بالضرورة سلامة الوسيلة أو الصياغة أو الصفة التي صدر بها المنشور.
فإنفاذ القانون اختصاص مؤسسي، وليس مجالاً للمواقف الشخصية المتباينة التي قد توحي بتأييد إجراء أو رفضه أو التأثير في الرأي العام حوله. كما أن إعادة توصيف المصطلحات القانونية والإدارية، مثل «إزالة التعديات» أو «تنظيم الأسواق»، ينبغي أن تتم وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة، وليس تبعاً للرغبة في تحسين الصورة الإعلامية لأي إجراء.
إن تنظيم الأسواق يمكن أن يكون فعلاً حضارياً وإنسانياً في آن واحد، لكنه يحتاج إلى خطة واضحة، ومعايير معلنة، وتطبيق عادل، وحوار مع أصحاب البسطات والتجار، وتوفير البدائل الممكنة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المشاة والملك العام وانسيابية المرور. لا يجوز أن يكون القانون ذريعة للإضرار بالناس، كما لا يجوز أن تكون الظروف الاقتصادية ذريعة لتعطيل القانون.
وهنا تبرز أهمية مدونة السلوك الوظيفي باعتبارها إطاراً لضبط الأداء العام، وحماية هيبة المؤسسة، وترسيخ الحياد والنزاهة والموضوعية. فالمنتسب للمؤسسة الأمنية أو المدنية ليس محروماً من حقه في التعبير، لكن عليه، بحكم موقعه، أن يدرك أن التعبير عبر المنصات العامة قد تكون له آثار تتجاوز شخصه، وأن عليه الالتزام بما تفرضه الوظيفة من ضوابط ومسؤوليات.
والأمر ذاته ينطبق على نشر الاتهامات أو المعلومات غير الموثقة. فلا يجوز أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكم مفتوحة، ولا أن تصدر أحكام مسبقة بحق أفراد أو جهات دون بينة أو تحقق. الأصل هو الدقة، والتثبت، واحترام قرينة البراءة، وإحالة أي معلومات جدية إلى الجهات المختصة للتحقق منها واتخاذ ما يلزم وفق القانون.
ومن الخطأ أيضاً أن تتحول الإشادة بالأشخاص إلى معيار لتقييم العمل العام، أو أن يصبح النقد المهني دليلاً على عدم الوطنية أو عدم الحرص على المدينة. فالمؤسسات العامة لا تحتاج إلى التطبيل، وإنما تحتاج إلى النقد البناء، والمراقبة المجتمعية، والإعلام المهني، والمساءلة القانونية.
إن الدعم الحقيقي لبلدية طولكرم والمجلس البلدي والجهات الأمنية ليس في المجاملة، وإنما في تمكينها من تطبيق القانون بصورة عادلة ومتوازنة، وفي الوقت نفسه مساعدتها على تطوير حلول تحفظ كرامة المواطن ورزقه.
وطولكرم ليست بحاجة إلى صراع بين الإعلام والمؤسسات، ولا إلى اصطفاف بين مؤيد ومعارض؛ بل تحتاج إلى شراكة وطنية ومهنية تجعل تنظيم المدينة مسؤولية جماعية، وتضع القانون فوق الأشخاص، والمصلحة العامة فوق العلاقات، والشفافية فوق المجاملة.
وفي هذا السياق، فإن الجهات المختصة مدعوة إلى التعامل مع أي منشورات صادرة عن أشخاص ذوي صفة أمنية أو وظيفية رسمية وفق معيار واحد: التحقق أولاً من الصفة والمصدر والمضمون، ثم تقييم مدى توافق المنشور مع القوانين والأنظمة والتعليمات ومدونة السلوك الوظيفي، بعيداً عن النيات المسبقة أو الاستهداف الشخصي.
فالغاية ليست ملاحقة منشور أو محاسبة شخص لمجرد إبداء رأي، وإنما حماية مبدأ أهم: أن تبقى المؤسسة الأمنية مؤسسة لجميع المواطنين، وأن يبقى القانون فوق الجميع، وأن يكون الخطاب المرتبط بالوظيفة العامة منضبطاً ومسؤولاً ومتسقاً مع مقتضيات الحياد والموضوعية.
نريد طولكرم منظمة وجميلة ونظيفة وآمنة، ونريد أسواقها نابضة بالحياة، وأرصفةها وطرقاتها مفتوحة للجميع، ونريد حماية رزق المواطن وكرامته، كما نريد مؤسسات قوية تحظى بثقة الناس.
وهذه الثقة لا تُبنى بالمجاملة، ولا بالمنشورات العاطفية، وإنما بالقانون، والشفافية، والانضباط، والعدالة، وحسن الأداء.
وفي النهاية، فإن احترام المؤسسة الأمنية يبدأ باحترام القانون، واحترام القانون يبدأ بالدقة في الكلمة، والتثبت في المعلومة، والانضباط في الموقف. أما طولكرم، فتستحق أن نتعامل مع قضاياها بعقل الدولة، لا بمنطق الأشخاص؛ وبميزان المصلحة العامة، لا بمنطق المجاملة أو الاصطفاف.
المحامي علي أبوحبلة