كفر صور ومخيمات طولكرم.. الهدم كأداة للتهجير وإعادة هندسة الأرض
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
كفر صور ومخيمات طولكرم.. الهدم كأداة للتهجير وإعادة هندسة الأرض
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ما يجري في كفر صور جنوب طولكرم، وما شهدته وتشهدُه مناطق مخيم طولكرم ومخيم نور شمس من عمليات هدم وتدمير وتهجير للسكان، لا يجوز التعامل معه كوقائع منفصلة أو كإجراءات أمنية مؤقتة. فحين تتكرر عمليات الهدم، ويُدفع السكان إلى مغادرة مساكنهم، وتترافق الإجراءات العسكرية مع القيود على البناء والحركة والوصول إلى الأرض، فإن المشهد يصبح أقرب إلى سياسة متكاملة لإعادة تشكيل المكان وديموغرافيته بما يخدم أهداف السيطرة والتوسع الاستيطاني.
وفي كفر صور تحديداً، تكتسب إخطارات الهدم خطورة إضافية لكون المنشآت المستهدفة، وفق إفادات المجلس القروي، تقع في منطقة مصنفة «ب» وتحمل تراخيص بناء فلسطينية، فيما تهدد الإجراءات الإسرائيلية نحو 80 مواطناً بفقدان مساكنهم. وهنا لا تعود المسألة قضية ترخيص أو مخالفة بناء، بل قضية حق السكان في البقاء والحماية من التهجير القسري.
الأمن.. ذريعة لا تفسر النتيجة
لا يمكن قبول تحويل شعار «أمن إسرائيل» إلى مظلة قانونية شاملة تبرر هدم المنازل وتهجير السكان وتغيير معالم الأرض. فالقانون الدولي الإنساني يعترف للقوة القائمة بالاحتلال باتخاذ إجراءات أمنية محددة، لكنه لا يمنحها سلطة مطلقة على السكان المدنيين أو الممتلكات الخاصة.
وقد حظرت المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تدمير الممتلكات العقارية أو الشخصية الخاصة إلا في الحالات التي تكون فيها مثل هذه الأعمال ضرورية بصورة مطلقة بسبب العمليات العسكرية. كما تحظر المادة 49 النقل القسري للسكان المحميين من الأراضي المحتلة.
وعندما لا يكون الهدم مرتبطاً بضرورة عسكرية محددة ومتناسبة، وإنما يؤدي عملياً إلى إخلاء السكان وإضعاف قدرتهم على البقاء، فإن الاستناد إلى الأمن يصبح موضع مساءلة قانونية وسياسية، خصوصاً إذا جاءت الإجراءات ضمن سياق أوسع من الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقييد العمران الفلسطيني.
مخيم طولكرم ونورشمس.. التهجير لا يبدأ دائماً بقرار ترحيل
إن ما شهدته مناطق مخيم طولكرم ومخيم نور شمس من هدم للمنازل وتهجير للسكان يضيف بعداً خطيراً إلى الصورة. فالتهجير القسري في الأراضي المحتلة لا يشترط بالضرورة صدور قرار رسمي يقول للسكان «ارحلوا». فقد ينشأ من خلال تدمير المساكن، وإحداث ظروف معيشية لا تحتمل، وفرض قيود واسعة على الحركة، وتعطيل الخدمات، وتدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية، بحيث يصبح البقاء نفسه بالغ الصعوبة.
وهذا المفهوم يتقاطع مع ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ إذ تناولت المحكمة، في سياق تحليلها، الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والتدابير التي تؤدي إلى تهجير السكان الفلسطينيين، وربطت ذلك بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
ومن هنا فإن الربط بين كفر صور ومخيمي طولكرم ونورشمس ليس ربطاً جغرافياً فقط، بل هو قراءة في نمط من السياسات التي تستخدم أدوات مختلفة لإضعاف الوجود الفلسطيني وإعادة تشكيل البيئة السكانية والعمرانية.
من الهدم إلى إعادة هندسة الأرض
الاستيطان لا يحتاج دائماً إلى إعلان ضم رسمي حتى يغيّر الواقع. فقد يتم تغيير الجغرافيا تدريجياً من خلال منع الفلسطيني من البناء والتوسع، وهدم مساكنه، ومصادرة أراضيه، وتقييد حركته، ثم إحلال واقع استيطاني جديد في المناطق التي أصبحت أكثر قابلية للسيطرة.
وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية: أن تتحول إجراءات تبدو في ظاهرها إدارية أو أمنية إلى أدوات لإعادة هندسة الأرض ديموغرافياً، بحيث يتراجع الوجود الفلسطيني في مناطق استراتيجية، بينما يتوسع الوجود الاستيطاني.
وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعت إلى إنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن، كما أكدت عدم مشروعية المستوطنات الإسرائيلية في الأرض المحتلة. وهذه النتائج القانونية تضع أي إجراءات تؤدي إلى ترسيخ الاستيطان أو تغيير الواقع الديموغرافي للأرض أمام مسؤولية دولية متزايدة.
ثمن اجتماعي واقتصادي يتجاوز المنزل
الهدم لا يستهدف البناء وحده. إنه يستهدف الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسرة. فالمنزل يمثل مدخرات عمر كامل، وتدميره يعني خسارة رأس مال خاص، بينما يؤدي تهجير الأسرة إلى تفكيك محيطها الاجتماعي، وتعطيل تعليم أبنائها، وفقدان مصادر رزقها، وزيادة أعبائها الاقتصادية.
أما على مستوى المجتمع المحلي، فإن تدمير المساكن والمنشآت والمنشآت الزراعية يعني إضعاف القدرة على التنمية والاستثمار، وإبقاء المناطق الفلسطينية في حالة من عدم الاستقرار العمراني والاقتصادي، في الوقت الذي تتواصل فيه عملية التوسع الاستيطاني.
وهكذا يصبح الصراع على الأرض صراعاً على إمكان البقاء والتنمية، وليس مجرد خلاف على تراخيص البناء.
المطلوب ليس مزيداً من البيانات
لقد تجاوزت القضية مرحلة الاكتفاء بالاستنكار وإصدار البيانات. البيانات مهمة سياسياً وإعلامياً، لكنها تفقد أثرها إذا لم تتحول إلى تحرك قانوني ودبلوماسي وسياسي متكامل.
المطلوب فلسطينياً هو بناء ملف موحد يوثق عمليات الهدم والتهجير في كفر صور ومخيم طولكرم ونورشمس وغيرها، وربط الوقائع الفردية بالسياق العام للاستيطان ومصادرة الأراضي وتغيير الواقع الديموغرافي.
والمطلوب عربياً ودولياً استخدام القنوات الدبلوماسية والقانونية للضغط من أجل وقف هذه السياسات، ووضع الدول والمؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها بموجب القانون الدولي، وعدم السماح بتحويل الاحتلال إلى واقع دائم، أو استخدام القوة لفرض تغييرات ديموغرافية وجغرافية لا يمكن تسويتها لاحقاً بالبيانات.
إن مسؤولية المجتمع الدولي ليست أخلاقية فحسب؛ بل هي مسؤولية قانونية وسياسية تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة والالتزامات المتعلقة باحترام حقوق الإنسان وعدم الاعتراف بالوقائع غير المشروعة الناتجة عن استخدام القوة.
إن كفر صور، ومخيم طولكرم، ونورشمس، ليست ملفات منفصلة. إنها حلقات في مشهد فلسطيني أوسع، عنوانه حماية الإنسان الفلسطيني في أرضه ومنع تحويل الهدم والتهجير إلى وسيلة لإعادة رسم الخريطة.
فإذا كان الهدف الحقيقي هو الأمن، فإن الأمن لا يتحقق بهدم المنازل وتهجير السكان. أما إذا كانت النتيجة المتكررة هي إفراغ الأرض من سكانها الفلسطينيين وتهيئة المجال أمام التوسع الاستيطاني، فإن المجتمع الدولي مطالب بأن يتعامل مع النتائج الفعلية للسياسة، لا مع الذرائع التي تُقدَّم لتبريرها.
والمطلوب اليوم الانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية فلسطينية وعربية ودولية متكاملة: توثيق، وتحرك قانوني، وضغط دبلوماسي، ومساءلة دولية، وحماية للسكان، ورفض قاطع للتهجير، ومنع ترسيخ أي وقائع استيطانية جديدة.
فالصمت على الهدم والتهجير لا يحافظ على الوضع القائم؛ بل يسمح بتغييره. والاستنكار وحده لا يوقف الجرافات. وما لم تتحول القرارات والقوانين والمواثيق الدولية إلى إجراءات مساءلة وضغط فعلي، فإن خطر استمرار سياسة تفريغ الأرض وإعادة هندستها ديموغرافياً سيبقى قائماً، بما يهدد ليس فقط حاضر الفلسطينيين، وإنما حقهم في المستقبل على أرضهم.



