طولكرم واختبار استنهاض «فتح».. هل تنتقل الحركة من تشخيص الأزمة إلى بناء مرحلة جديدة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
طولكرم واختبار استنهاض «فتح».. هل تنتقل الحركة من تشخيص الأزمة إلى بناء مرحلة جديدة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تكتسب الجولة الميدانية لعضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، مفوض عام التعبئة والتنظيم اللواء توفيق الطيراوي في محافظة طولكرم وإقليمها، أهمية تتجاوز حدود الزيارة التنظيمية أو التواصل البروتوكولي، لأنها تأتي في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الاستحقاقات التنظيمية والانتخابية مع تحديات وطنية وسياسية متصاعدة، وتفرض على حركة «فتح» مراجعة أداء أطرها، وإعادة بناء الثقة بين قيادتها وقواعدها، واستثمار ما تملكه من رصيد تاريخي وبشري في مواجهة تحديات المرحلة.
وتؤكد المعطيات المتاحة أن زيارة طولكرم جاءت ضمن توجه أوسع نحو التواصل المباشر مع الأقاليم والكوادر والقواعد، وهو توجه ينسجم مع ما طرحه الطيراوي في لقاءات تنظيمية أخرى من ضرورة توحيد الصفوف، وتفعيل الأطر، وتمكين الكفاءات، والاستفادة من القيادات التاريخية، ومعالجة مظاهر التهميش، وتوسيع المشاركة.
ومن المهم هنا عدم التعامل مع الجولة باعتبارها حدثاً منفصلاً، بل وضعها في إطار المسار الذي بدأ بعد المؤتمر العام الثامن للحركة، وما أفرزه من قيادة جديدة ومهمات تتعلق بتجديد العمل التنظيمي وتطوير أداء المؤسسات. وقد أكد الطيراوي في حديث سابق أن تجديد حضور الحركة يتطلب تفعيل المقاومة الشعبية والحراك الدولي، كما شدد على أهمية قضية الأسرى وحقوقهم، بما يعكس ارتباط البعد التنظيمي بالبعد الوطني والسياسي.
طولكرم.. دلالة المكان وتوقيت الزيارة
لا تبدو طولكرم مجرد محطة جغرافية في برنامج الزيارات؛ فهي محافظة ذات رصيد تاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية، وتضم قاعدة تنظيمية واسعة وتجربة نضالية متراكمة، وتواجه في الوقت نفسه ظروفاً استثنائية بفعل الاحتلال والاقتحامات والاستيطان والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن التواصل مع مجلس حركة فتح والإقليم يكتسب أهمية خاصة، لأن الإقليم يمثل حلقة أساسية بين القيادة المركزية والمناطق والكوادر والقواعد. وأي عملية استنهاض لا يمكن أن تنجح إذا بقيت محصورة في المستوى المركزي، بل تحتاج إلى أطر محلية فاعلة تمتلك القدرة على المبادرة والتواصل وصناعة القرار التنظيمي ضمن الصلاحيات المقررة لها.
والسؤال هنا ليس فقط: ماذا قيل في الاجتماع؟ وإنما: ماذا سيحدث بعد الاجتماع؟
من الزيارة إلى التشخيص
العودة إلى الميدان والاستماع إلى القواعد تمثل خطوة إيجابية في أي عملية إصلاح تنظيمي. فالمعلومات التي تصل إلى القيادة من خلال التقارير قد لا تعكس دائماً الواقع بكل تفاصيله، بينما يسمح التواصل المباشر بتحديد مواطن الخلل، والاستماع إلى الملاحظات، ومعرفة أسباب التراجع أو التباعد بين القاعدة والقيادة.
لكن الزيارة لا تصبح ذات قيمة استراتيجية إلا إذا تحولت إلى تشخيص مؤسسي يتبعه علاج مؤسسي.
فإذا كان هناك شعور بالتهميش، يجب تحديد أسبابه ومعالجته. وإذا كان هناك خلل في التمثيل، فلا بد من معايير واضحة. وإذا كانت هناك ملفات تنظيمية عالقة، فينبغي معالجتها وفق النظام الداخلي وقرارات المؤسسات المختصة. وإذا كانت هناك طاقات وكفاءات بعيدة عن مواقع التأثير، فإن استيعابها يجب أن يكون جزءاً من خطة التجديد.
وهنا تكمن الفاصلة بين العمل التنظيمي التقليدي والإصلاح التنظيمي الحقيقي.
ماذا تستهدف هذه الزيارات؟
يمكن قراءة أهداف الحراك الميداني في عدة مستويات مترابطة:
أولاً، إعادة بناء الثقة.
فالاستماع المباشر إلى الكادر والقواعد يبعث برسالة بأن القيادة تريد معرفة الواقع من أصحابه، لا من التقارير فقط.
ثانياً، تفعيل الأطر التنظيمية.
فالقوة التنظيمية لا تقاس بعدد الأعضاء، وإنما بمدى فاعلية الإقليم والمنطقة والخلية والقطاعات المختلفة وقدرتها على العمل المستمر.
ثالثاً، الاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
فالاستحقاقات الانتخابية والتنظيمية تفرض ترتيب البيت الداخلي، لكن ينبغي ألا تتحول الانتخابات إلى السبب الوحيد للاستنهاض.
رابعاً، إعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة.
فالحركة تمتلك قيادات وكوادر راكمت خبرات سياسية وتنظيمية ونضالية، كما تمتلك جيلاً شاباً يحتاج إلى مساحة حقيقية للمشاركة. والمطلوب ليس المفاضلة بين الأجيال، وإنما بناء تكامل بينها.
خامساً، معالجة مظاهر التهميش والانقسام الداخلي.
فالوحدة التنظيمية لا تعني غياب الاختلاف، وإنما تعني امتلاك مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف بصورة مسؤولة.
مجلس الإقليم.. الاختبار الحقيقي
إذا كانت الزيارات الاجتماعية والوطنية تعزز العلاقة مع المجتمع، وإذا كانت اللقاءات مع القواعد توفر التشخيص، فإن لقاء مجلس الحركة والإقليم يمثل الحلقة التي يفترض أن تحول التشخيص إلى برنامج عمل.
وهنا تبرز ضرورة تحديد دور الإقليم وصلاحياته، وتفعيل المناطق، وتعزيز التواصل الأفقي والرأسي، ووضع آليات واضحة لرفع الملاحظات والتوصيات ومتابعتها.
فالمؤسسة التنظيمية القوية ليست مجرد هيكل إداري؛ إنها أداة لصناعة القرار، وتوزيع المسؤوليات، وضمان المشاركة، ومحاسبة الأداء.
ولذلك فإن أي إعادة تشكيل للأطر يجب ألا تكون هدفاً بذاتها، بل وسيلة لإنتاج تنظيم أكثر فاعلية وقدرة على العمل.
الأسرى والشهداء.. البعد الوطني في الاستنهاض
إن الزيارات التي شملت عائلات الأسرى والشهداء والمحررين تحمل دلالة تتجاوز بعدها الإنساني. فالأسرى والشهداء جزء أصيل من الذاكرة الوطنية الفلسطينية، والتواصل مع عائلاتهم يعيد التأكيد على أن الحركة ليست مجرد أطر انتخابية، وإنما امتداد لمجتمع دفع أثماناً باهظة في مسيرة النضال الوطني.
وهذا البعد مهم في إعادة بناء العلاقة مع المجتمع؛ لأن التنظيم الذي ينفصل عن قضايا الناس وذاكرتهم الوطنية يفقد تدريجياً قدرته على التأثير.
ومن هنا ينبغي أن يكون التواصل مع الأسرى وعائلات الشهداء والمحررين جزءاً من رؤية وطنية وتنظيمية مستدامة، لا نشاطاً موسمياً مرتبطاً بالزيارات.
الإيجابيات.. لكن مع ضرورة الحذر
من أبرز إيجابيات الحراك الحالي أنه يعيد القيادة إلى الميدان، ويفتح باب الحوار مع القواعد، ويطرح بوضوح مفاهيم المشاركة والوحدة وتمكين الكفاءات وتكامل الأجيال.
كما أن الاعتراف بوجود مظاهر تحتاج إلى معالجة يمثل خطوة ضرورية؛ إذ لا يمكن إصلاح مؤسسة سياسية من دون الاعتراف بمواطن الخلل.
لكن في المقابل، هناك مخاطر ينبغي عدم تجاهلها.
أهمها أن تتحول الزيارات إلى نشاط مؤقت مرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، أو أن تتحول إعادة تشكيل الأطر إلى منافسة على المواقع، أو أن تبقى التوصيات في إطار الخطاب من دون آليات تنفيذ.
كما أن رفع سقف التوقعات أمام القواعد من دون نتائج ملموسة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، ويزيد من حالة عدم الثقة بدلاً من معالجتها.
هل ستتحقق النتائج؟
من السابق لأوانه إصدار حكم نهائي على نتائج الجولة قبل ظهور مخرجاتها العملية. لكن يمكن تحديد معايير واضحة لقياس النجاح.
إذا ظهرت بعد الزيارات قرارات واضحة، وجدول زمني للتنفيذ، ومعايير معلنة لتشكيل الأطر، ومعالجة للملفات التنظيمية، وتوسيع للمشاركة، وإشراك للكفاءات، وتفعيل للإقليم والمناطق، فإن ذلك سيكون مؤشراً على أن الحراك يتجه نحو إصلاح حقيقي.
أما إذا بقيت المخرجات في حدود الاستماع ورفع التقارير، فإن القيمة العملية ستظل محدودة مهما كانت أهمية اللقاءات.
والقاعدة البسيطة هنا هي: الزيارة تقيس النوايا، أما التنفيذ فيقيس الجدية.
المطلوب.. خارطة طريق لا مجرد توصيات
حتى لا تضيع مخرجات الجولة في زحام الملفات، فإن المطلوب إعداد خارطة طريق تنظيمية واضحة تتضمن:
مراجعة واقع الأقاليم والمناطق وتحديد مكامن القوة والخلل.
وضع معايير عادلة وشفافة لتشكيل الأطر والقوائم الانتخابية.
معالجة الملفات التنظيمية العالقة وفق النظام الداخلي وقرارات المؤسسات.
تفعيل دور القيادات التاريخية مع تمكين الكفاءات والشباب.
تطوير برامج التثقيف السياسي والتنظيمي.
إنشاء آلية دائمة للحوار بين القيادة والقاعدة.
تعزيز حضور الحركة في القضايا الوطنية والاجتماعية.
وضع نظام متابعة ومساءلة لتنفيذ التوصيات.
تقييم دوري للأداء التنظيمي، بحيث لا تبقى عملية الإصلاح مرتبطة بموسم انتخابي.
البعد السياسي والوطني
استنهاض «فتح» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره شأناً حزبياً داخلياً فقط؛ فالحركة جزء أساسي من تاريخ المشروع الوطني الفلسطيني، وأداؤها التنظيمي والسياسي يترك أثراً على المشهد الوطني العام.
وفي المرحلة الراهنة، تحتاج القضية الفلسطينية إلى حركة سياسية تمتلك تنظيماً قوياً، وخطاباً واضحاً، وقدرة على الحشد الشعبي والسياسي والدبلوماسي والقانوني، وتستطيع في الوقت نفسه أن تنفتح على الشراكة الوطنية وتعمل على تعزيز الوحدة الفلسطينية.
وقد أظهرت تجارب وطنية فلسطينية سابقة أن مواجهة الاحتلال تتطلب توحيد الطاقات وتطوير آليات العمل المشترك، وهو ما ظهر مثلاً في الدعوات الفلسطينية إلى بناء قيادة وطنية موحدة وتوسيع الشراكة السياسية والمجتمعية.
ومن هذه الزاوية، فإن إصلاح «فتح» يجب ألا ينتهي عند حدود الحركة، وإنما ينبغي أن ينعكس إيجاباً على قدرتها على الإسهام في بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر تماسكاً، وتعزيز الوحدة الوطنية، وحماية المشروع الوطني من التفكك.
الخلاصة
إن جولة اللواء توفيق الطيراوي في طولكرم، ولقاءه مجلس حركة «فتح» والإقليم والكوادر، إلى جانب التواصل مع المجتمع وعائلات الأسرى والشهداء والمحررين، تحمل دلالات سياسية وتنظيمية ووطنية مهمة.
لكن أهميتها الحقيقية ستتحدد في المرحلة التالية.
فالشارع والقاعدة التنظيمية لا يحتاجان إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاجان إلى رؤية واضحة، ومؤسسات فاعلة، ومعايير عادلة، وقرارات قابلة للتنفيذ، وآليات للمساءلة.
إن أمام «فتح» فرصة لإعادة بناء علاقتها بقواعدها ومجتمعها، مستفيدة من رصيدها التاريخي ومن الخبرات المتراكمة داخلها، لكن هذه الفرصة لن تكون مفتوحة إلى ما لا نهاية.
فالاستنهاض الحقيقي يبدأ عندما تتحول الزيارات إلى سياسات، والاستماع إلى قرارات، والتوصيات إلى إجراءات، والاختلاف إلى حوار مؤسسي، والقيادات التاريخية والكفاءات والشباب إلى شركاء في صناعة المستقبل.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس: هل نجحت زيارة طولكرم؟ بل: هل نجحت الزيارة في إطلاق مسار إصلاح تنظيمي مستدام؟
إذا كانت الإجابة ستظهر في أداء الإقليم، وفي تشكيل الأطر، وفي عدالة التمثيل، وفي مشاركة الكادر، وفي استعادة الثقة، فإن طولكرم ستكون أكثر من محطة في جولة تنظيمية؛ ستكون مؤشراً على قدرة «فتح» على الانتقال من إدارة أزمتها إلى إعادة بناء قوتها، ومن استعادة الماضي إلى صناعة المستقبل، ومن التنظيم الحزبي إلى استعادة دورها كحركة تحرر وطني في خدمة القضية الفلسطينية والمشروع الوطني الجامع.



