القطاع الخاص... مستفيد من وطن يعيش الصمود ام شريك في صناعة الصمود؟
د. إبراهيم نعيرات
د. إبراهيم نعيرات
في فلسطين، لا تعمل السوق في ظروف طبيعية. فالاحتلال والحصار والقيود على الحركة والاستيراد، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، وضعف الإنتاج المحلي وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تجعل الاقتصاد الفلسطيني مختلفًا عن اقتصاد مفتوح تحكمه المنافسة وتعدد البدائل. لذلك لا يمكن فهم أرباح القطاع الخاص وقوته السوقية بمعزل عن هذا الواقع؛ فالظروف الاستثنائية قد تنتج في بعض القطاعات هوامش ربح وقوة سوقية أكبر مما هو متاح في أسواق أخرى.
فالندرة ليست فقط مشكلة يتحملها المواطن، وإنما قد تتحول أيضًا إلى مصدر للقوة الاقتصادية. عندما تقل البدائل ويصبح الاستيراد مقيدًا ومكلفًا، يصبح من يملك القدرة على توفير السلعة في موقع أقوى، وقد يستطيع تحقيق هامش ربح أكبر. وهذا لا يعني أن كل ارتفاع في الأسعار استغلال، ولا أن كل ربح مرتفع غير مشروع؛ فالقطاع الخاص يتحمل مخاطر وتكاليف حقيقية في بيئة شديدة التعقيد. لكنه يعني أن جزءًا من القوة السوقية قد يكون ناتجًا عن الندرة التي فرضها الواقع الفلسطيني، لا عن الكفاءة والمنافسة وحدهما. إنها قوة سوقية ذات أثر احتكاري، حتى إن لم تكن احتكارًا بالمعنى القانوني.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان المواطن يتحمل كلفة الحصار والندرة وارتفاع الأسعار، فهل يكفي أن يؤدي القطاع الخاص دوره التجاري المعتاد؟ الربح حق، والاستثمار ضرورة، ولا يمكن بناء اقتصاد من دون رأس مال خاص، لكن في ظرف استثنائي ينبغي أن تقابل القوة الاقتصادية بمسؤولية أكبر. فإذا أنتجت الندرة أرباحًا استثنائية، فلماذا لا يتحول جزء منها إلى استثمار في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والإنتاج المحلي وخلق فرص العمل وصناعة البدائل؟ المطلوب ليس تحويل القطاع الخاص إلى مؤسسة خيرية، بل جعل الربح جزءًا من بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود وأقل اعتمادًا على الخارج.
فالوطنية الاقتصادية لا تظهر في الشعارات والبيانات والتبرعات وحدها، وإنما في القرارات: هل يختار رأس المال النشاط الأسرع ربحًا، أم يستثمر في مشروع إنتاجي يحتاج إلى وقت ومخاطرة؟ هل يعيد استثمار جزء من أرباحه في الاقتصاد الذي صنعها؟ هل يرى العامل شريكًا في الإنتاج أم مجرد تكلفة، والمواطن مواطنًا يعيش ظرفًا استثنائيًا أم مجرد مستهلك لا يملك بديلًا؟ هنا يظهر الفرق بين رأس مال يستفيد من السوق ورأس مال يشارك في بنائها.
ولا يجوز أن نتحدث عن رأس المال الفلسطيني فقط من زاوية الشركات والتجار والمستثمرين، لأن جزءًا أساسيًا منه موجود في المصارف. فالبنوك إحدى ركائز الاقتصاد الحديث؛ تستقبل مدخرات المواطنين والشركات، وتحفظها، ثم تحول جزءًا منها إلى ائتمان وتمويل يحرك النشاط الاقتصادي. وما تديره المصارف ليس مالًا منفصلًا عن المجتمع؛ فهو في جانب أساسي منه مدخرات الموظفين والعمال والتجار والأسر والشركات، أودعت على أساس الثقة بأنها ستدار وتحفظ وفق قواعد مهنية وقانونية.
ومن هنا تصبح هذه الكتلة المالية مقدرة اقتصادية وطنية استراتيجية، لا بمعنى أنها ملك للحكومة أو أن من حقها التدخل في قرارات البنوك، وإنما لأن أثرها يتجاوز العلاقة بين المودع والمصرف. وكلما كبرت المدخرات المتراكمة داخل النظام المصرفي، ازدادت قدرة الجهاز المصرفي على التأثير في اتجاه الاقتصاد من خلال الائتمان والتمويل.
والبنوك تقوم بالفعل بدور مهم في تمويل النشاط الاقتصادي، لكن السؤال الفلسطيني ليس ما إذا كانت تمول الاقتصاد، بل: هل تفعل ذلك بالقدر والاتجاه اللذين يحتاجهما اقتصاد يعيش هذا الظرف الاستثنائي؟ فليس كل تمويل تنمية، وليس كل ائتمان يخلق قدرة إنتاجية جديدة. قد تكون الأنشطة الأسرع عائدًا والأقل مخاطرة أكثر جاذبية للتمويل، بينما تبقى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والمشروعات الصغيرة والاستثمارات طويلة الأجل بحاجة إلى رأس مال أكبر وأكثر صبرًا.
ولهذا نحتاج إلى صورة أوضح: ما حجم المدخرات المتراكمة في الجهاز المصرفي؟ أين تتجه؟ ما نسبة التمويل الموجه إلى القطاعات الإنتاجية؟ كم يذهب إلى المشروعات الصغيرة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا؟ وكم يذهب إلى الاستهلاك والأنشطة قصيرة الأجل؟ وهل لدينا رؤية وطنية متكاملة لكيفية توظيف هذه المقدرات في بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وصمودًا؟
هذه الأسئلة لا تعني إخضاع البنوك للقرار السياسي أو استخدام أموال المودعين خارج القواعد المهنية؛ فاستقلالية العمل المصرفي وحماية المدخرات وسلامة الجهاز المصرفي أمور أساسية. لكنها تعني أن تكون هناك قراءة وطنية أوسع لهذه الكتلة المالية، وحوار اقتصادي جاد بين الحكومة والجهات النقدية والمصارف والقطاع الخاص حول أولويات الاستثمار والتمويل.
والمفارقة أننا نتعامل مع هذه الكتلة المالية بوصفها حقيقة مصرفية أكثر مما نتعامل معها بوصفها موردًا اقتصاديًا استراتيجيًا يحتاج إلى قراءة وطنية شاملة. فالمشكلة الفلسطينية ليست بالضرورة في نقص رأس المال، وإنما في كيفية توجيهه. لدينا مدخرات ومصارف ورأس مال خاص وطاقات بشرية وقطاعات قابلة للتطوير، لكن الحلقة بين هذه العناصر لا تعمل دائمًا بالكفاءة المطلوبة. وقد يكون العائد السريع والأقل مخاطرة أكثر جاذبية من الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل، بينما يحتاج الاقتصاد الفلسطيني إلى رأس مال أكثر جرأة وصبرًا في الإنتاج.
ولا تقع المسؤولية على القطاع الخاص والمصارف وحدهما. فالحكومة مطالبة ببيئة تشجع الإنتاج، وتكافح الاحتكار، وتحمي المنافسة والمستهلك، وتوفر حوافز للاستثمار، وتضع رؤية واضحة لأولويات الاقتصاد. وفي المقابل، لا يستطيع القطاع الخاص أن يطالب المجتمع باعتباره شريكًا وطنيًا إذا بقيت علاقته به محكومة فقط بمنطق تعظيم الربح، كما لا ينبغي النظر إلى أموال المجتمع في المصارف باعتبارها مجرد أرقام في ميزانيات مصرفية منفصلة عن الاقتصاد الذي جاءت منه.
في فلسطين، يتحمل المواطن كلفة الحصار، والعامل كلفة البطالة، والمزارع كلفة ضعف الأسواق، والأسرة كلفة ارتفاع الأسعار، والدولة كلفة الأزمات المالية والسياسية. وإذا كان بعض رأس المال قادرًا، في هذا الواقع، على تحقيق هوامش ربح أعلى بفعل الندرة وضعف البدائل، فمن الطبيعي أن تكون مساهمته في تحمل الكلفة الوطنية أكبر أيضًا. فالربح الاستثنائي في ظرف استثنائي لا ينبغي أن يعني مسؤولية عادية.
ومن هنا، فالقضية ليست صراعًا بين الدولة والقطاع الخاص، ولا اتهامًا للبنوك، وإنما سؤال عن إدارة مقدرات مجتمع يعيش ظرفًا غير عادي. رأس المال يحتاج إلى سوق قوية ومستقرة ومستهلك قادر على الإنفاق، والمجتمع يحتاج إلى رأس مال منتج ومسؤول، والمصارف تحتاج إلى اقتصاد يولد مشاريع قابلة للتمويل، والدولة تحتاج إلى قطاع خاص قادر على الاستثمار لا مجرد المتاجرة بالظرف.
قد يكون عنوان «القطاع الخاص الفلسطيني لا يعرف وطنًا؟» قاسيًا إذا فُهم باعتباره حكمًا على الجميع، لكنه يصبح سؤالًا مشروعًا إذا كان المقصود: هل يتناسب ما يقدمه رأس المال للمجتمع مع ما يتيحه له هذا المجتمع من فرص للربح؟ وهل نعرف فعلًا كيف تُوظف مقدراتنا المالية؟ وهل نريد اقتصادًا يتعامل مع الحصار والندرة باعتبارهما مصدرًا للربح، أم اقتصادًا يحول جزءًا من هذا الربح إلى إنتاج يقلل آثار الحصار والندرة؟
الربح حق، والمصارف ضرورة، ورأس المال لا يعمل بلا عائد، لكن هذه ليست نهاية النقاش. في اقتصاد محاصر، يجب أن نسأل أيضًا: كم من هذا المال يبني مصنعًا؟ كم يمول مزارعًا؟ كم يخلق فرصة عمل؟ كم يطور تكنولوجيا؟ كم يصنع بديلًا محليًا؟ وكم يبقى مجرد أموال تبحث عن العائد الأسرع؟
في النهاية، لا يطلب الوطن من رأس المال أن يخسر، ولا من المصارف أن تتخلى عن قواعدها، ولا من المستثمر أن يعمل بلا ربح. المطلوب أن ندرك أن الأموال التي تراكمت داخل هذا المجتمع، سواء في الشركات أو في الجهاز المصرفي، هي جزء من مقدراته الاقتصادية الاستراتيجية، وأن حسن توظيفها قد يكون أحد أهم عناصر صموده.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كم لدينا من المال؟ بل: أين يذهب؟ ماذا يبني؟ ولمن يعمل؟
وعندها فقط نستطيع أن نعرف إن كان رأس المال الفلسطيني مجرد مستفيد من وطن يعيش الصمود، أم شريكًا حقيقيًا في صناعة هذا الصمود.



