ليس على إسرائيل أن تدافع عن كل تلةغرشون باسكين

غيرشون باسكن

أغسطس 10, 2026 - 11:00
ليس على إسرائيل أن تدافع عن كل تلةغرشون باسكين

ليس على إسرائيل أن تدافع عن كل تلة

غرشون باسكين

نسمع باستمرار أن الجيش الإسرائيلي يعاني نقصًا بعشرات آلاف الجنود. والحلول المقترحة معروفة: تجنيد مزيد من الحريديم، تمديد الخدمة الإلزامية، إطالة فترات الاحتياط، وتحميل من يتحملون العبء أصلًا المزيد.

لكن هذا النقاش يتجنب سؤالًا أكثر جوهرية.

ربما لا تكمن المشكلة الأساسية في نقص الجنود، بل في أن إسرائيل أوجدت لنفسها التزامات أمنية تفوق ما يستطيع أي جيش تحمله على المدى الطويل.

ولا يتجلى ذلك في مكان بوضوح أكبر من الضفة الغربية المحتلة.

إلى جانب المستوطنات القائمة، يوجد اليوم أكثر من 200 بؤرة استيطانية. وخلال السنوات الأخيرة توسع بسرعة نمط جديد من الاستيطان: المزارع الزراعية ومزارع الرعي المعزولة، التي تجاوز عددها 100. بعضها لا يضم سوى عدد قليل من العائلات، بل أحيانًا حفنة من الأشخاص، لكنها تفرض سيطرة فعلية على مساحات شاسعة من الأرض وتحمّل إسرائيل أعباء أمنية وسياسية هائلة لا تتناسب إطلاقًا مع عدد سكانها.

كل مستوطنة معزولة، وكل بؤرة، وكل مزرعة، تخلق مهمة عسكرية جديدة. يجب حماية طرق الوصول إليها، وتسيير الدوريات حولها، وتوفير التغطية الاستخباراتية، والاستجابة للهجمات والمواجهات، والتعامل مع الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، والإبقاء على قوات احتياطية لتعزيز الوحدات المنتشرة في المنطقة.

والجيش الإسرائيلي هو الذي يتحمل هذا العبء.

المستوطنون وحلفاؤهم السياسيون هم الذين يقررون الصعود إلى تلة أخرى أو الاستقرار في بقعة معزولة، لكن الدولة بأكملها تدفع الثمن.

يطول أمد خدمة الجنود الشباب، ويُستدعى جنود الاحتياط مرة بعد أخرى، وتغيب الأمهات والآباء عن أسرهم لأسابيع وأشهر، وتفقد الشركات موظفيها، ويتحمل الاقتصاد الكلفة. أما الوحدات التي يفترض أن تتدرب لمواجهة التهديدات الاستراتيجية الحقيقية التي تواجه إسرائيل، فتجد نفسها موزعة على مئات النقاط في أنحاء الضفة الغربية.

ثم يقال لنا إن الجيش لا يملك عددًا كافيًا من الجنود.

قبل أن نطالب بعشرات الآلاف من الجنود الإضافيين، علينا أن نسأل:

لماذا نستمر أصلًا في خلق المزيد من المواقع التي يحتاج الجيش إلى الدفاع عنها؟

الموارد الأمنية الإسرائيلية ليست بلا حدود. والمهمة الأولى للجيش الإسرائيلي هي الدفاع عن إسرائيل في مواجهة التهديدات الحقيقية، لا أن يتحول إلى جهاز حماية دائم لمشروع استيطاني أيديولوجي يتوسع عامًا بعد عام ثم يطالب بالمزيد من الجنود لحمايته.

عدد الجنود الذين تحتاج إليهم إسرائيل ليس مجرد مسألة ديموغرافية، بل هو أيضًا نتيجة لقرارات سياسية.

حين تقيم الحكومة مستوطنة جديدة، أو تشرعن بؤرة، أو تسمح بإقامة مزرعة معزولة في عمق الضفة، فإنها تنشئ في الوقت نفسه التزامًا أمنيًا جديدًا. لا يمكن لإسرائيل أن توسع بلا نهاية عدد المواقع والمساحات التي يُطلب من الجيش حمايتها، ثم تشتكي من نقص القوى البشرية.

هذه ليست استراتيجية أمنية. إنها لا مسؤولية استراتيجية.

المستوطنون الذين يعيشون خارج الكتل الاستيطانية الكبرى، وخصوصًا أولئك الذين يقيمون البؤر والمزارع المعزولة في عمق الضفة الغربية، لا يعززون أمن إسرائيل، بل يضعفونه. فانتشار مئات المواقع الصغيرة والهشة يجبر الجيش على تشتيت قواته، ويجعل هذا المشروع الاستيطاني عبئًا مباشرًا على أمن إسرائيل وعاملًا يعمل ضد مصالحها الأمنية بعيدة المدى.

أما مستقبل الكتل الاستيطانية الكبرى، فيمكن التفاوض عليه في إطار اتفاق إسرائيلي-فلسطيني. لكن المستوطنات المعزولة والبؤر والمزارع المنتشرة داخل الأراضي الفلسطينية لا تحقق لإسرائيل أي فائدة أمنية حقيقية.

بل إنها تستنزف الجيش، وتزيد الاحتكاك اليومي مع الفلسطينيين، وتفرض حماية مستمرة للطرق والمناطق المحيطة بها، وتجعل الانفصال السياسي أكثر صعوبة.

والكلفة لا تقتصر على الأمن.

لقد أصبح المشروع الاستيطاني أحد أكبر الأعباء السياسية والدبلوماسية على إسرائيل.

طوال عقود، لم تعتمد قوة إسرائيل على تفوقها العسكري وحده، بل كذلك على شرعيتها وعلى الدعم الدولي الذي تمتعت به. وكان كثير من أصدقائها يعتقدون أنه، رغم الصراع والخلافات العميقة حول سياساتها، فإن إسرائيل ما زالت تسعى في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

هذه القناعة تتآكل بسرعة.

فالتوسع المتواصل للمستوطنات والبؤر والمزارع المعزولة يبعث برسالة معاكسة: أن إسرائيل تريد جعل سيطرتها على الفلسطينيين أمرًا دائمًا لا رجعة فيه، ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

والأخطر أن إسرائيل لا تفقد دعم من عارضوها دائمًا فحسب، بل تفقد أيضًا دعم فئات وقفت إلى جانبها لعقود: شباب أمريكيون، وأوروبيون، وتيارات ليبرالية وديمقراطية، وقطاعات من المجتمعات اليهودية في الخارج، وقادة سياسيون كانوا يعتبرون دعم إسرائيل أمرًا شبه بديهي.

ولا يجوز اختزال كل هذه الانتقادات في معاداة السامية.

معاداة السامية موجودة ويجب التصدي لها بحزم، لكن انتقاد سياسة توسع بصورة متواصلة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس بالضرورة تعبيرًا عن كراهية إسرائيل.

الدولة الواثقة من نفسها يجب أن تكون قادرة على التساؤل عما إذا كانت سياساتها هي نفسها تساهم في عزلتها.

وهكذا يفرض المشروع الاستيطاني على إسرائيل كلفتين في آن واحد: يضعف أمنها في الداخل ويقوض شرعيتها في الخارج.

ولهذا يجب على الحكومة الإسرائيلية المقبلة أن تغير الاتجاه.

لا يكفي وقف إقامة بؤر ومزارع جديدة. ينبغي البدء بتفكيك المستوطنات والبؤر والمزارع المعزولة الواقعة خارج الكتل الاستيطانية الكبرى، والتي تفرض على الجيش أعباء لا ضرورة لها وتغلق الطريق أمام الانفصال السياسي.

والبداية الطبيعية هي البؤر غير المرخصة والمزارع الزراعية ومزارع الرعي المعزولة التي تتيح لأعداد قليلة جدًا من المستوطنين السيطرة على مساحات واسعة.

يجب وقف إقامة المزيد منها.

ووقف شرعنة البؤر بعد إنشائها.

ووقف السماح للمستوطنين بفرض وقائع على الأرض، ثم مطالبة الجيش بالدفاع عنها إلى الأبد.

والبدء بإخلاء المواقع التي لا تمنح إسرائيل أي مكسب أمني حقيقي، بينما تفرض عليها أثمانًا عسكرية وسياسية ودبلوماسية باهظة.

هذا ليس تنازلًا لحماس، وليس مكافأة للإرهاب، وليس خطوة ينبغي لإسرائيل اتخاذها لأن واشنطن أو بروكسل أو أي جهة أخرى تطالب بها.

على إسرائيل أن تفعل ذلك لأنه يصب في مصلحتها هي.

على الحكومة المقبلة أن تثبت أن هدف إسرائيل هو الانفصال سياسيًا عن الفلسطينيين والعيش إلى جانبهم بسلام، لا حكمهم بصورة دائمة.

وهذا يتطلب قطيعة واضحة مع نهج حكومة نتنياهو-سموتريتش-بن غفير.

فمشروع هذه الحكومة سار في الاتجاه المعاكس: توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر، وتعميق السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ومنع قيام دولة فلسطينية، وتشجيع تهجير الفلسطينيين، بل وحتى طرح العودة إلى الاستيطان في غزة.

سموتريتش وبن غفير وغيرهما من قادة اليمين المتطرف لم يخفوا رؤيتهم كثيرًا. هدفهم ليس الانفصال بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل السيطرة الإسرائيلية الدائمة على كامل الأرض، مع بقاء أقل عدد ممكن من الفلسطينيين عليها.

وإذا طُبقت هذه الرؤية حتى نهايتها، فإنها تعني التهجير والتطهير العرقي.

لا يمكن أن يكون هذا مستقبل إسرائيل.

لا تستطيع إسرائيل أن تبقى دولة يهودية وديمقراطية إذا حكمت بصورة دائمة ملايين الفلسطينيين الذين لا يتمتعون بحقوق سياسية في الدولة التي تسيطر على حياتهم. كما لا يمكنها أن تكون آمنة إذا ظل جيشها مطالبًا بحماية شبكة متزايدة من الجيوب الأيديولوجية المنتشرة وسط أرض شعب آخر.

تحب حركة الاستيطان أن تقدم نفسها باعتبارها خط الدفاع الأول عن إسرائيل.

لكن الواقع يثبت العكس بصورة متزايدة.

كلما زاد عدد المستوطنات المعزولة، زاد عدد الطرق التي يجب تأمينها، والمساحات التي يجب على الجيش مراقبتها، ومصادر الاحتكاك، وعدد الجنود المطلوبين.

هذا لا يجعل إسرائيل أكثر أمنًا. بل يجعل الدفاع عنها أكثر صعوبة.

لذلك، فإن السؤال أمام الحكومة المقبلة ليس فقط ما إذا كان بإمكان إسرائيل تجنيد 20 أو 30 ألف جندي إضافي. السؤال الأهم هو ما إذا كانت ستواصل السياسات التي تخلق أصلًا الحاجة إلى هؤلاء الجنود.

استراتيجية أمن قومي جادة يجب أن تقلل المهام العسكرية غير الضرورية، وأن تتيح للجيش التركيز على الدفاع عن إسرائيل والاستعداد للتهديدات الاستراتيجية الحقيقية.

وهذا يتطلب وقف التوسع الاستيطاني وعكس اتجاهه، وتفكيك البؤر والمزارع المعزولة، والبدء بمسار للانفصال السياسي بدل تكريس حكم عسكري دائم يربط الإسرائيليين والفلسطينيين بعضهم ببعض.

كما يتطلب توجيه رسالة واضحة إلى الفلسطينيين وإلى جيران إسرائيل وإلى العالم: إسرائيل تريد العيش داخل حدود آمنة ومعترف بها، وتسعى إلى السلام، لا إلى الهيمنة الدائمة على شعب آخر.

إسرائيل تحتاج إلى جيش قوي وجنود مستعدين للدفاع عنها في مواجهة أعدائها.

لكنها لا تحتاج إلى جيش منتشر بصورة دائمة لحماية كل مشروع أيديولوجي أُقيم على كل تلة في الضفة الغربية.

الدفاع عن دولة إسرائيل ضرورة. أما الدفاع عن كل تلة فهو خيار سياسي.

وعلى الحكومة المقبلة أن تختار طريقًا آخر.