من عرابة جنين إلى «ضمّ شمال الضفة».. سموتريتش يختبر تحويل الاستيطان إلى سيادة
مشاريع استيطانية وطرق جديدة وشرعنة للبؤر.. هل يجري رسم خريطة جديدة للضفة الغربية قبل أي تسوية سياسية؟
من عرابة جنين إلى «ضمّ شمال الضفة».. سموتريتش يختبر تحويل الاستيطان إلى سيادة
مشاريع استيطانية وطرق جديدة وشرعنة للبؤر.. هل يجري رسم خريطة جديدة للضفة الغربية قبل أي تسوية سياسية؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن الضفة الغربية مجرد خطاب أيديولوجي صادر عن أحد أركان اليمين الإسرائيلي المتشدد؛ فخطورة ما يقوله الرجل تكمن في أن أقواله تتزامن مع إجراءات حكومية ومخططات استيطانية وقرارات إدارية ووقائع ميدانية تتجه، بصورة متراكمة، إلى إعادة تشكيل جغرافية الضفة الغربية، ولا سيما شمالها. بحيث تترافق مع تصريحات رئيس الحكومة نتنياهو قوله إن أسمح بقيام دوله فلسطينيه
ومن هنا تكتسب الإشارات المنسوبة إلى سموتريتش خلال زيارته للموقع الاستيطاني المقام على أراضي عرابة جنوب جنين، وما حملته من حديث عن ملكية الأرض وحرية حركة اليهود في شمال الضفة الغربية، أهمية تتجاوز حدود التصريح السياسي، لأنها تأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة تصعيداً استيطانياً منظماً ومشاريع جديدة لتغيير طبيعة الأرض وشبكة الطرق والتواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.
ومن الضروري، مهنياً، التنبيه إلى أن عبارة «كل هذه الأراضي لنا» بصيغتها العربية المتداولة تحتاج إلى توثيق إسرائيلي مباشر إذا أريد تقديمها باعتبارها اقتباساً حرفياً؛ أما مضمونها السياسي العام فينسجم مع مواقف سموتريتش المعلنة وسياسات الحكومة الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان والضم.
عرابة.. من جغرافيا فلسطينية إلى هدف استيطاني
تكشف تقارير حديثة عن مخططات إسرائيلية لإنشاء وتطوير مستوطنات جديدة في شمال الضفة الغربية، ومن بينها مشروع مستوطنة «يحنيت» على أراضي بلدة عرابة في محافظة جنين. كما تحدثت تقارير عن شبكة واسعة من المشاريع الاستيطانية والطرق التي تستهدف الربط بين المستوطنات القائمة والجديدة في محافظات جنين ونابلس وطوباس وطولكرم.
ولا يمكن قراءة مشروع «يحنيت» بمعزل عن هذه الخريطة؛ فالاستيطان الحديث لا يعتمد فقط على إقامة وحدات سكنية، وإنما على إنشاء منظومة متكاملة من الطرق والبنية التحتية والربط الكهربائي والمائي والإداري والأمني.
وهذه النقطة بالذات تفسر أهمية شمال الضفة الغربية في الحسابات الإسرائيلية؛ فالمطلوب ليس فقط إنشاء مستوطنة هنا أو بؤرة هناك، بل إقامة شبكة جغرافية تحول المستوطنات إلى كتلة مترابطة، وتضعف في المقابل التواصل الإقليمي الفلسطيني.
وقد أشارت تقارير وتحليلات حديثة إلى مخططات لطرق استيطانية في محافظة جنين، وإلى تعزيز البناء في مستوطنة صانور ومحيطها، بما يساهم في تغيير الخريطة الجغرافية للمنطقة.
الصحافة الإسرائيلية ترصد التحول
المهم في هذه القضية أن التحذير من تداعيات الاستيطان لا يأتي من المصادر الفلسطينية وحدها.
فصحيفة هآرتس نشرت في أبريل/نيسان 2026 معلومات عن مخطط واسع يضم 34 تجمعاً استيطانياً، بينها 20 تجمعاً جديداً وتسعة مواقع استيطانية قائمة يجري العمل على إضفاء الصفة القانونية عليها وفق التصنيف الإسرائيلي.
كما تناولت الصحيفة وغيرها من وسائل الإعلام الإسرائيلية التحولات الجارية في الضفة، بما فيها تنامي نفوذ التيار الاستيطاني داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية.
وهنا تبرز المفارقة: فالمشروع الذي يدفع به سموتريتش لا يعمل خارج مؤسسات الدولة، بل يستفيد من موقعه الوزاري ومن الأدوات الإدارية والمالية التي تتيح للحكومة تحويل جزء من الخطاب الأيديولوجي إلى إجراءات على الأرض.
وفي هذا السياق، لا ينبغي تجاهل تصريحات مسؤولين عسكريين إسرائيليين بشأن التحولات في شمال الضفة، ولا سيما ما يرتبط بإعادة ترتيب الواقع الأمني والعسكري في منطقة جنين وشمال «السامرة» وفق التسمية الإسرائيلية.
سموتريتش.. من الأيديولوجيا إلى «صناعة الوقائع»
تكمن أهمية سموتريتش في أنه لا يقدم الاستيطان باعتباره سياسة مؤقتة، وإنما باعتباره جزءاً من تصور أوسع لمستقبل الضفة الغربية.
وقد أعلن في يونيو/حزيران 2026 خطة لتوسيع الاستيطان تتضمن آلاف الوحدات السكنية، في إطار مساعٍ قال منتقدوه إنها تدفع باتجاه ضم مزيد من أراضي الضفة الغربية.
وفي يوليو/تموز 2026، أفادت تقارير بأن سموتريتش ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أعلنا خططاً استيطانية جديدة، بالتوازي مع تخصيص مئات ملايين الدولارات لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الاستيطان لم يعد، في جزء منه، ملفاً هامشياً تديره جماعات استيطانية خارج مؤسسات الدولة، وإنما أصبح جزءاً من سياسة حكومية مدعومة بالتمويل والقرارات الإدارية والتخطيط والبنية التحتية.
«حرية حركة اليهود».. سؤال الحقوق المتساوية
إذا كانت الدعوة إلى حرية الحركة لجميع السكان حقاً أصيلاً، فإن الإشكالية تبدأ عندما تتحول حرية الحركة إلى امتياز مرتبط بالهوية القومية.
فإنشاء طرق آمنة وسريعة للمستوطنين وربط المستوطنات بعضها ببعض، في الوقت الذي تُفرض فيه قيود مختلفة على حركة الفلسطينيين، يؤدي عملياً إلى إنتاج نظامين للحركة داخل الإقليم ذاته.
ومن هنا فإن السؤال ليس: هل يحق للإسرائيليين التنقل؟
بل: هل يتمتع الفلسطيني والإسرائيلي بالحق ذاته في الحركة والوصول إلى الأرض والطرق والموارد؟
إن تحويل الطرق إلى أدوات لتكريس السيطرة على الأرض يجعل البنية التحتية جزءاً من المشروع السياسي، لا مجرد وسيلة للنقل.
أخطر من الاستيطان: «الضم بحكم الأمر الواقع»
من منظور استراتيجي، فإن أخطر ما يجري في شمال الضفة ليس فقط إقامة مستوطنات جديدة، وإنما بناء منظومة تجعل الانفصال بين المستوطنات وإسرائيل من جهة، وبينها وبين الأراضي الفلسطينية من جهة أخرى، أقل وضوحاً بمرور الوقت.
فالضم لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي واحد.
يمكن أن يبدأ بمصادرة الأرض، ثم إنشاء طريق، ثم إقامة بؤرة، ثم شرعنتها، ثم ربطها بالبنية التحتية الإسرائيلية، ثم نقل الصلاحيات المدنية إليها، ثم يصبح وجودها جزءاً من الواقع الذي يصعب على أي حكومة إسرائيلية التراجع عنه.
وهذا تحديداً هو جوهر التحذيرات الدولية من «الضم الفعلي».
القانون الدولي.. لا سيادة للاحتلال على الأرض المحتلة
قانونياً، لا تمنح السيطرة العسكرية أو الاحتلال حق اكتساب السيادة على الأرض.
وقد خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 إلى أن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، أدت إلى ضم أجزاء واسعة من الإقليم المحتل، وأكدت أن إسرائيل لا تملك، بسبب الاحتلال، حق السيادة أو ممارسة سلطات سيادية على أي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأكدت المحكمة كذلك أن استمرار هذه السياسات وما تحدثه من آثار طويلة الأمد يمس بصورة مباشرة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وأن المخاوف الأمنية الإسرائيلية لا يمكن أن تتغلب على القاعدة الأساسية التي تحظر اكتساب الأراضي بالقوة.
أما المستوطنات نفسها، فقد أكد مجلس الأمن الدولي في القرار 2334 لعام 2016 أن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، «ليس له أي شرعية قانونية»، ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وعقبة أمام حل الدولتين.
والأهم أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المنشور في يوليو/تموز 2026 أكد أن المستوطنات الإسرائيلية والبنية التحتية المرتبطة بها لا تتمتع بأي شرعية قانونية، وأنها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، فضلاً عن أنها تهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً وذات سيادة.
ماذا يعني ذلك لمستقبل الضفة؟
المشهد الراهن يحمل ثلاثة مستويات من المخاطر.
المستوى الأول: جغرافي.
توسيع المستوطنات والطرق يمكن أن يؤدي إلى تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وإضعاف إمكانية قيام إقليم فلسطيني متصل.
المستوى الثاني: ديموغرافي.
زيادة عدد المستوطنين وتثبيت وجودهم على الأرض يخلق وقائع سكانية جديدة يجري استخدامها لاحقاً في أي مفاوضات سياسية.
المستوى الثالث: سياسي وقانوني.
كلما طال أمد الواقع الاستيطاني، ازدادت محاولة تحويل «الأمر الواقع» إلى «حق سياسي»، رغم أن القانون الدولي لا يعترف باكتساب الأرض بالقوة.
وهذا ما يجعل شمال الضفة الغربية إحدى ساحات الصراع الرئيسية على مستقبل حل الدولتين.
إسرائيل أمام اختبار داخلي أيضاً
لا ينبغي النظر إلى المشهد الإسرائيلي باعتباره كتلة واحدة. فهناك خلافات داخل المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة السياسية حول حجم الاستيطان وتكلفته وتداعياته الأمنية والدولية.
وتؤكد تغطيات صحفية إسرائيلية أن قضية الاستيطان أصبحت مرتبطة أيضاً بالصراع داخل اليمين الإسرائيلي نفسه، وبمستقبل سموتريتش وحزبه في الانتخابات المقبلة. كما أن منظمات إسرائيلية مثل «السلام الآن» تواصل توثيق التوسع الاستيطاني والتحذير من تداعياته على مستقبل التسوية.
وهذا مهم لأن النقاش الإسرائيلي الداخلي يفتح نافذة لفهم أن المشروع الاستيطاني ليس بالضرورة موضع إجماع، حتى داخل المعسكر اليميني، وإن كان التيار المؤيد للتوسع الاستيطاني يمتلك اليوم نفوذاً حكومياً واسعاً.
الخلاصة: من يغيّر الخريطة يراهن على تغيير السياسة
ما يجري في عرابة وجنين وشمال الضفة الغربية ينبغي ألا يُقرأ كخبر استيطاني منفصل، وإنما كجزء من معركة أوسع على شكل الإقليم ومستقبل التسوية.
فحين تتزامن تصريحات سموتريتش مع إنشاء مستوطنات جديدة، وشرعنة بؤر قائمة، وتوسيع طرق استيطانية، وتخصيص الأموال، وإعادة تنظيم الإدارة المدنية والأمنية، فإننا نكون أمام سياسة متكاملة لصناعة واقع جديد.
ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: هل ستعلن إسرائيل ضم الضفة الغربية رسمياً؟
بل أصبح أكثر إلحاحاً:
كم من الضفة الغربية سيجري ضمه فعلياً قبل أن يصدر أي إعلان رسمي بالضم؟
إن القول بأن «الأرض لنا» لا ينشئ حقاً في القانون الدولي، كما أن إقامة المستوطنة والطريق لا تحول الاحتلال إلى سيادة.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول الوقائع المفروضة على الأرض إلى أساس سياسي تسعى إسرائيل لاحقاً إلى تثبيته كأمر واقع.
ومن هنا فإن مواجهة المشروع الاستيطاني في شمال الضفة تحتاج إلى استراتيجية فلسطينية وعربية ودولية تتجاوز ردود الفعل والبيانات، باتجاه توثيق منهجي لمصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني، وتفعيل الأدوات القانونية الدولية، وربط أي مسار سياسي بوقف الإجراءات التي تغير الوضع القانوني والديموغرافي والجغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة.
فالمعركة على شمال الضفة ليست معركة على مستوطنة واحدة؛ إنها معركة على وحدة الأرض الفلسطينية، وعلى إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وعلى ما تبقى من فرص الحل السياسي.
المحامي علي أبو حبلة



