الانتخابات بين وهم التغيير ووهم العجز
محمد قاروط أبو رحمه
الانتخابات بين وهم التغيير ووهم العجز
محمد قاروط أبو رحمه
يثير أحد اساتذتي الذين اعتز بهم، الفدائي المفكر الأخ معين الطاهر مسالة مهمة حين يطلق تحذيرا من الايمان بأن صندوق الاقتراع وحده قادر على تغيير الواقع الفلسطيني، وذلك في مقاله بعنوان (هندسة النظام الفلسطيني والمشروع الوطني) المنشور يوم الخميس 6/8/2026، في موقع قدس (رابط المقال أسفل النص). المقال ينتقل من نقد وهم التغيير الكامل إلى بناء وهم مقابل، وهو أن الانتخابات لا يمكن أن تكون أداة لأي تغيير مؤثر. وبين الوهمين تضيع الحقيقة.
فالانتخابات ليست مشروعًا للتحرير، لكنها أحد أدوات النضال الوطني في ممارسة السيادة الوطنية على جزء من الأرض الفلسطينية، وإعلان ممارسة الشعب الفلسطيني عن حقه في ممارسة سلطاته على نفسه. وهي من جهة اخرى ليست مجرد إجراء إداري بلا قيمة. وهي لا تعمل في فراغ، لكنها كذلك ليست معزولة عن مسار التغيير الوطني. فالتجربة الفلسطينية نفسها تؤكد أن بناء المؤسسات الوطنية كان دائمًا عملية تراكمية، ولم يتحقق عبر قفزة واحدة.
ثم إن المقال يفترض أن وظيفة السلطة ثابتة لا يمكن تعديلها، بينما التجارب السياسية تثبت أن المؤسسات تتغير بتغير موازين القوى، والشرعيات، والظروف الداخلية، والخارجية. وإذا كان تغيير وظيفة السلطة مستحيلًا، فلماذا يخشى الاحتلال نتائج الانتخابات؟ ولماذا أُلغيت انتخابات 2021؟ ولماذا اعتُقل نواب المجلس التشريعي بعد انتخابات 2006؟
كما يرفض الكاتب الاعتقاد بإمكان التغيير عبر الانتخابات، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأنها وسيلة للحشد، وبناء القواعد الشعبية، وتشكيل معارضة، ومراقبة الأداء العام. وهذه كلها أشكال من التغيير، وإن كانت تدريجية لا جذرية.
إن المشكلة ليست في الانتخابات، بل في تحميلها ما لا تحتمل. فهي ليست بديلًا عن المشروع الوطني، ولا عن المقاومة، ولا عن إعادة بناء منظمة التحرير، لكنها أيضًا ليست منفصلة عن هذا المسار. فالمرسوم الرئاسي لم يتحدث عن انتخابات تشريعية فقط، بل رسم مسارًا يبدأ بالمجلس التشريعي، ثم الرئاسة، ثم المجلس الوطني. ومن هنا فإن قراءة الانتخابات بمعزل عن بقية حلقات هذا المسار تقود إلى استنتاجات ناقصة.
ويبقى السؤال الأهم: إذا لم يكن الإصلاح يبدأ بالانتخابات، فما الآلية العملية البديلة؟ وكيف يمكن إعادة بناء منظمة التحرير واستعادة الشرعية الوطنية دون أي عملية ديمقراطية تمنح المؤسسات تفويضًا جديدًا؟
إن النقد المنهجي لا يكتمل برفض المسار القائم، بل بتقديم مسار أكثر قابلية للتنفيذ. فالسياسة ليست اختيارًا بين الكمال والعجز، وإنما هي فن التقدم الممكن. والتجربة الفلسطينية نفسها تعلمنا أن التغيير لا يتحقق بخطوة واحدة، بل بتراكم الخطوات، وأن الانتخابات قد لا تكون نهاية الطريق، لكنها قد تكون بداية طريق جديد إذا أحسن الفلسطينيون توظيفها ضمن مشروع وطني شامل.
بمزيد الاحترام للأخ الكبير معين الطاهر
رابط مقال الأخ معين الطاهر



