فلسطين والباسك في مباراة كرة القدم الديبلوماسية تسجل هدفا في شباك القانون الدولي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
فلسطين والباسك في مباراة كرة القدم الديبلوماسية تسجل هدفا في شباك القانون الدولي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد كرة القدم في القرن الحادي والعشرين مجرد منافسة رياضية تُحسم بالمهارة والخطط التكتيكية، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية، وميدانًا تتقاطع فيه السياسة مع القانون الدولي والدبلوماسية والرأي العام العالمي. فالمنتخبات الوطنية، وإن كانت تمثل رياضيين محترفين، تحمل في الوقت ذاته أعلام دولها وأناشيدها الوطنية، وتتحول إنجازاتها إلى رصيد سياسي ورمزي تستثمره الحكومات في تعزيز مكانتها الدولية وصورتها أمام شعوبها والعالم.
ومن هذا المنطلق، لم يعد نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين مجرد مواجهة كروية على اللقب العالمي، بل تحول إلى حدث تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والقانونية والأخلاقية، ولا سيما لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والفلسطيني، في ظل التباين الواضح بين موقفي الحكومتين الإسبانية والأرجنتينية من القضية الفلسطينية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الادعاء بفصل الرياضة عن السياسة ظل شعارًا أكثر منه واقعًا. فمنذ مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مرورًا بالمقاطعات الأولمبية خلال الحرب الباردة، ووصولًا إلى العقوبات الرياضية التي فرضت على دول بسبب نزاعات مسلحة أو انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، كانت الرياضة دائمًا امتدادًا للصراع السياسي، وأداة من أدوات التأثير في العلاقات الدولية.
وتؤكد لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) واللجنة الأولمبية الدولية رفض التمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي، إلا أن الواقع أثبت أن المنافسات الرياضية الكبرى أصبحت جزءًا من منظومة القوة الناعمة، وأن الدول تستثمر نجاحاتها الرياضية لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي، وهو ما يجعل الفصل الكامل بين السياسة والرياضة أمرًا بالغ الصعوبة.
ولعل ما شهدته مباراة المنتخب المصري مع الأرجنتين في إحدى البطولات الدولية يقدم مثالًا واضحًا على هذا التداخل، حين أثارت بعض المواقف المرتبطة بالمباراة وما أعقبها من ردود فعل سياسية وإعلامية جدلًا واسعًا، وتعرض المدير الفني للمنتخب المصري آنذاك لانتقادات بسبب مواقف اعتُبرت ذات أبعاد سياسية، وهو ما أكد أن الملاعب لم تعد بمنأى عن تأثيرات السياسة، وأن الجماهير باتت تقرأ كثيرًا من الأحداث الرياضية بمنظار المواقف الوطنية والقومية.
وفي نهائي المونديال الحالي، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فإسبانيا، بقيادة حكومة بيدرو سانشيز، اتخذت خلال الأعوام الأخيرة مواقف سياسية وقانونية واضحة تجاه القضية الفلسطينية، تمثلت في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، والدعوة إلى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وانتقاد سياسة الاستيطان، والمطالبة بوقف الحرب على غزة، ودعم المسارات القانونية أمام محكمة العدل الدولية، وهي مواقف تنسجم مع المبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها، واحترام قواعد القانون الدولي، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
كما تستند هذه المواقف إلى قواعد راسخة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ولا سيما الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، التي تحظر العقوبات الجماعية، وتحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، فضلاً عن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الذي أكد عدم مشروعية الاحتلال والاستيطان وضرورة التزام الدول بعدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية الناشئة عنه.
وفي المقابل، انتهجت حكومة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي سياسة خارجية مختلفة، اتسمت بتقارب غير مسبوق مع إسرائيل، وبدعم سياسي ودبلوماسي واضح لمواقفها، الأمر الذي جعل السياسة الخارجية للأرجنتين تبدو بعيدة عن النهج الذي اتبعته حكومات أرجنتينية سابقة اعترفت بدولة فلسطين ودعمت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
غير أن الموضوعية تقتضي التمييز بين سياسات الحكومة الأرجنتينية الحالية وبين المجتمع الأرجنتيني نفسه، فالأرجنتين ليست خافيير ميلي وحده، كما أن تاريخها السياسي لا يمكن اختزاله في توجهات حكومة واحدة.
فقد عرفت الأرجنتين عبر تاريخها المدرسة البيرونية التي قامت على العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والدفاع عن الفئات المهمشة، كما شهدت مواقف متقدمة في دعم الحقوق الفلسطينية، إضافة إلى استمرار قوى سياسية ونقابية وأكاديمية وحقوقية في التعبير عن رفضها للسياسات الإسرائيلية وللانحياز الرسمي الحالي.
كما أن قطاعات واسعة من المجتمع الأرجنتيني تستحضر تجربتها المريرة مع الحكم العسكري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وهو ما يفسر استمرار الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان في فلسطين.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية التي يواجهها المشجع العربي والفلسطيني.
فمن جهة، تبقى الأرجنتين مدرسة كروية عظيمة ارتبطت بذكريات جميلة مع دييغو أرماندو مارادونا، الذي لم يُخفِ يومًا دعمه للقضية الفلسطينية، كما ارتبط اسمها بأحد أعظم لاعبي العالم، ليونيل ميسي.
ومن جهة أخرى، فإن السياسة الخارجية الحالية لحكومة ميلي جعلت صورة الدولة الرسمية ترتبط، في نظر كثيرين، بانحياز واضح لإسرائيل في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية واحدة من أكثر المراحل دموية وتعقيدًا.
أما إسبانيا، فقد اكتسبت مكانة خاصة في الوجدان الفلسطيني والعربي، ليس فقط بسبب مواقف حكومتها، وإنما أيضًا نتيجة الحراك الشعبي الإسباني الواسع المتضامن مع فلسطين، والمواقف الإنسانية التي صدرت عن شخصيات رياضية وثقافية وفنية، بما عزز صورة إسبانيا بوصفها دولة أقرب إلى الدفاع عن مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ومن منظور استراتيجي، فإن هذه المباراة تعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الصراعات الدولية، حيث لم تعد القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها معيار النفوذ، بل أصبحت الصورة الذهنية، والدبلوماسية العامة، والقوة الناعمة، عناصر حاسمة في تشكيل الرأي العام العالمي.
فالملاعب اليوم أصبحت امتدادًا للمشهد السياسي، والبطولات العالمية تحولت إلى منصات لإعادة تشكيل السرديات، وبناء الشرعية، وكسب التعاطف الدولي.
ولا يعني ذلك تحميل اللاعبين مسؤولية سياسات حكوماتهم، فالقانون الدولي يميز بوضوح بين مسؤولية الدولة ومسؤولية الأفراد، كما أن الرياضة يجب أن تبقى مجالًا للتنافس الشريف والتقارب بين الشعوب، بعيدًا عن الكراهية أو التعميم أو تحميل الشعوب تبعات قرارات حكوماتها.
غير أن الجماهير، بطبيعتها، لا تتعامل مع الرموز الوطنية بمعزل عن السياق السياسي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا ترتبط بالاحتلال وحقوق الإنسان والعدالة الدولية.
ومن هنا، فإن تشجيع قطاعات واسعة من الفلسطينيين والعرب لإسبانيا في هذا النهائي لا يُفهم باعتباره موقفًا ضد الشعب الأرجنتيني أو ضد لاعبيه، وإنما يُقرأ بوصفه تعبيرًا عن تقدير لمواقف سياسية وقانونية اعتُبرت أكثر انسجامًا مع مبادئ الشرعية الدولية، ورسالة تؤكد أن الشعوب لا تنسى من يقف إلى جانبها في أوقات المحن.
إن نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين يقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تداخل الرياضة مع السياسة والقانون والدبلوماسية، ويؤكد أن المنافسات الرياضية الكبرى أصبحت جزءًا من منظومة العلاقات الدولية، وأن الجماهير لم تعد تنظر إلى المباريات بمعزل عن مواقف الدول وسياساتها.
وفي النهاية، ستبقى كرة القدم مساحة للمتعة والإبداع، لكنها ستظل أيضًا مرآة تعكس تحولات العالم. وعندما تتقاطع الرياضة مع قضايا العدالة والاحتلال وحقوق الإنسان، يصبح التشجيع، لدى كثيرين، تعبيرًا عن منظومة قيم ومبادئ، لا مجرد انحياز لفريق يرتدي قميصًا مختلفًا. وفي هذا الإطار، فإن نهائي المونديال لا يمثل فقط صراعًا على كأس العالم، بل يجسد أيضًا صراعًا بين سرديات سياسية وقانونية وأخلاقية، تؤكد أن القوة الناعمة أصبحت أحد أهم ميادين التنافس في النظام الدولي المعاصر، وأن الضمير الإنساني يظل، في نهاية المطاف، الحكم الأصدق في ذاكرة الشعوب.



