الانتخابات ليست مجرد إجراء... بل أداة نضال وسيادة

محمد قاروط أبو رحمه

يوليو 8, 2026 - 19:26
الانتخابات ليست مجرد إجراء... بل أداة نضال وسيادة

الانتخابات ليست مجرد إجراء... بل أداة نضال وسيادة

محمد قاروط أبو رحمه

عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية

تُحسب للدكتورة غانية ملحيس محاولتها نقل النقاش من التفاصيل الإجرائية للانتخابات إلى الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعقد السياسي والمعمار الوطني، وهي محاولة فكرية تستحق التقدير لأنها ترفض اختزال القضية الفلسطينية في مجرد صناديق اقتراع.

غير أن المقال، في المقابل، يقع في مفارقة منهجية مهمة؛ إذ يبدو وكأنه يضع العقد السياسي في مواجهة الانتخابات، بينما أثبتت التجربة الفلسطينية أن الانتخابات نفسها كانت إحدى أدوات إنتاج هذا العقد وتجديده، وليست مجرد آلية إدارية تأتي بعد اكتماله.

فالانتخابات في الحالة الفلسطينية لم تكن يومًا شأناً إدارياً خالصاً، بل كانت دائمًا فعلًا من أفعال الصمود الوطني، وإعلانًا متكررًا عن وجود الشعب الفلسطيني وإرادته السياسية في مواجهة محاولات إلغاء هذا الوجود.

لقد كانت انتخابات البلديات، والجامعات، والنقابات، والرئاسة والمجلس التشريعي، وحتى انتخابات الهيئات المحلية ومؤتمرات الفصائل الفلسطينية، في ظل الاحتلال، جميعها رسائل سياسية قبل أن تكون استحقاقات تنظيمية، لأنها تؤكد أن الفلسطيني لا يزال صاحب القرار على أرضه، وأن الاحتلال لا يستطيع إلغاء إرادته الجماعية.

ومن هنا فإن الانتخابات ليست نقيضًا للعقد السياسي، بل إحدى أدوات تجسيده وتجديده.

كما أن الانتخابات ليست فقط وسيلة لتنظيم الاختلاف، بل هي أيضًا وسيلة لترسيخ السيادة المعنوية للشعب الفلسطيني، حتى في ظل غياب السيادة الكاملة على الأرض.

فالسيادة لا تبدأ يوم إعلان الدولة فقط، وإنما تُبنى تدريجيًا عبر تراكم المؤسسات، وتجديد الشرعيات، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز ثقة المجتمع بنفسه وبمؤسساته.

ولهذا فإن الانتخابات تؤدي وظيفة مزدوجة:

  • وظيفة وطنية نضالية، لأنها تؤكد استمرار الشعب الفلسطيني بوصفه جماعة سياسية واحدة.
  • ووظيفة انتقالية، لأنها تهيئ المجتمع ومؤسساته للانتقال المستقبلي إلى الدولة عندما تتوافر شروطها.

ولهذا فإن النظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد أداة إجرائية قد يحرم المشروع الوطني من واحدة من أهم وسائل الصمود السياسي التي راكمها الفلسطينيون طوال العقود الماضية.

بل إن التجربة الفلسطينية نفسها تؤكد أن المؤسسات الوطنية لم تُبنَ دفعة واحدة، وإنما عبر تراكم طويل شاركت فيه الانتخابات، والعمل الشعبي، والنضال السياسي، والمؤسسات، ومنظمة التحرير، وحركة فتح، وسائر القوى الوطنية.

ومن هنا فإن العلاقة الصحيحة ليست:

العقد السياسي ثم الانتخابات،

ولا:

الانتخابات ثم العقد السياسي،

بل علاقة تفاعل متبادل؛ فالعقد يمنح الانتخابات معناها، والانتخابات تمنح العقد شرعيته المتجددة، وكلاهما يشكلان جزءًا من عملية بناء الإرادة الوطنية الفلسطينية.