حبس المدين المتعثر بين مقتضيات العدالة وحماية الكرامة الإنسانية
حبس المدين المتعثر بين مقتضيات العدالة وحماية الكرامة الإنسانية
دعوة وطنية لإعادة النظر في التشريعات وعقد حوار قانوني ومجتمعي شامل
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل ما تمر به فلسطين من ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد، وما تشهده من تراجع في معدلات النمو الاقتصادي، وارتفاع نسب البطالة والفقر، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وتعطل قطاعات الإنتاج والتجارة والاستثمار، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في منظومة حبس المدين المتعثر، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق الدائنين وصون الكرامة الإنسانية للمدينين الذين حالت الظروف القاهرة دون وفائهم بالتزاماتهم المالية.
إن العدالة لا تتحقق بمجرد تطبيق النصوص القانونية بصورة جامدة، وإنما تتحقق من خلال مراعاة الظروف الواقعية التي تحيط بالأفراد والمجتمعات. فهناك فارق جوهري بين المدين المماطل الذي يملك القدرة على السداد ويتعمد التهرب من التزاماته، وبين المدين المتعثر الذي أصبح ضحية ظروف اقتصادية استثنائية خارجة عن إرادته.
لقد أثبتت التجارب العملية أن حبس المدين المتعثر لا يؤدي في معظم الحالات إلى استيفاء الديون أو حماية الحقوق المالية للدائنين، بل يفاقم من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إذ يفقد المدين مصدر دخله، وتتضرر أسرته وأطفاله، وتتزايد الأعباء الواقعة على المجتمع ومؤسساته، الأمر الذي يحول الحبس من وسيلة ضغط قانونية إلى عقوبة اجتماعية واقتصادية تمتد آثارها إلى أفراد لا ذنب لهم.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث يعيش الاقتصاد الوطني ظروفاً استثنائية ناجمة عن الاحتلال والإغلاقات والحصار وتراجع فرص العمل والاستثمار، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التعثر المالي لدى الأفراد وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتجار والمهنيين.
الأساس القانوني والحقوقي
لقد كرس القانون الدولي لحقوق الإنسان مبدأ عدم جواز سلب الحرية بسبب العجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي. فقد نصت المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه:
"لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي."
ويمثل هذا النص قاعدة قانونية وأخلاقية مهمة تميز بين الامتناع الإرادي عن السداد وبين العجز الحقيقي الناجم عن ظروف اقتصادية أو اجتماعية قاهرة.
كما أن القانون الأساسي الفلسطيني أكد في مواده المتعلقة بالحقوق والحريات على صون الحرية الشخصية وكرامة الإنسان باعتبارهما من الحقوق الأساسية التي يجب ألا تُقيد إلا في أضيق الحدود ووفقاً لمقتضيات الضرورة والعدالة.
وفي العديد من الأنظمة القانونية الحديثة اتجهت التشريعات إلى تضييق نطاق حبس المدين أو إلغائه كلياً في القضايا المدنية، واستبداله بوسائل أكثر فعالية وعدالة، مثل إجراءات الإعسار المدني، وجدولة الديون، والتسويات القضائية، والحجز على الأموال والممتلكات، والمنع من التصرف بالأصول، وإعادة هيكلة الالتزامات المالية.
الواقع الفلسطيني يفرض مراجعة تشريعية
إن التغيرات الاقتصادية التي شهدتها فلسطين خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تراجع في النشاط التجاري والإنتاجي، تستدعي مراجعة شاملة للتشريعات الناظمة للتنفيذ المدني وحبس المدين.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في حماية الدائن أو المدين بصورة منفردة، بل في إيجاد منظومة قانونية متوازنة تحفظ الحقوق المالية من جهة، وتحافظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى.
فالدائن يحتاج إلى أدوات فعالة لتحصيل حقه، والمدين المتعثر يحتاج إلى فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أوضاعه المالية دون أن يتحول إلى عاطل عن العمل أو عبء على أسرته ومجتمعه.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير آليات قانونية حديثة تميز بين حالات الإعسار الحقيقي وحالات التهرب المتعمد، وتمنح القضاء صلاحيات أوسع للتحقق من المركز المالي للمدين واتخاذ الإجراءات المناسبة لكل حالة وفقاً لظروفها الخاصة.
دعوة إلى حوار وطني شامل
إن هذه القضية لا ينبغي أن تبقى محصورة في إطار الجدل القانوني أو القضائي فحسب، بل تستوجب إطلاق حوار وطني شامل تشارك فيه:
نقابة المحامين الفلسطينيين.
المؤسسات الحقوقية.
مؤسسات المجتمع المدني.
الجامعات وكليات القانون والاقتصاد.
السلطة القضائية.
سلطة النقد والقطاع المصرفي.
الجهات الحكومية والتشريعية المختصة.
وذلك من خلال عقد مؤتمرات وورش عمل متخصصة لدراسة الآثار القانونية والاقتصادية والاجتماعية لحبس المدين، والخروج بتوصيات عملية قابلة للتطبيق ترفع إلى جهات الاختصاص لاتخاذ ما يلزم من تعديلات تشريعية وإجرائية.
نحو رؤية إصلاحية متوازنة
إن الإصلاح المطلوب لا يعني إطلاق يد المماطلين أو المساس بحقوق الدائنين، وإنما يهدف إلى بناء نظام قانوني أكثر عدالة وكفاءة وإنسانية، يحقق التوازن بين حق الدائن في استيفاء دينه وحق المدين المتعثر في الكرامة الإنسانية والعيش الكريم.
فالدول المتقدمة تقاس اليوم بقدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية إلى جانب العدالة القانونية، وبمدى نجاحها في إيجاد حلول تضمن تحصيل الحقوق دون المساس بالحريات الأساسية.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الشعب الفلسطيني، فإن إعادة النظر في سياسة حبس المدين المتعثر لم تعد ترفاً قانونياً أو مطلباً فئوياً، بل أصبحت ضرورة وطنية وإنسانية واقتصادية تستوجب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً من جميع الجهات المعنية.
إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من فلسفة العقوبة إلى فلسفة المعالجة، ومن منطق الإكراه إلى منطق التسوية، ومن إجراءات الحبس إلى حلول قانونية واقتصادية أكثر قدرة على حماية الحقوق وتعزيز الاستقرار المجتمعي، بما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية.



