الوضع القائم في المسجد الأقصى: بين المفهوم التاريخي ومحاولات التشويه وخرق القوانين والمواثيق الدولية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أبريل 21, 2026 - 10:20
الوضع القائم في المسجد الأقصى: بين المفهوم التاريخي ومحاولات التشويه وخرق القوانين والمواثيق الدولية

الوضع القائم في المسجد الأقصى: بين المفهوم التاريخي ومحاولات التشويه وخرق القوانين والمواثيق الدولية 
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الحديث عن “الوضع القائم” في المسجد الأقصى مجرّد توصيف قانوني أو تاريخي لحالة قائمة، بل تحوّل إلى ساحة صراع مفاهيمي وسياسي وقانوني، يجري من خلالها إعادة تعريف المصطلح بما يخدم مشروع الاحتلال الإسرائيلي، في مقابل تمسّك فلسطيني وعربي وإسلامي بجذوره التاريخية والقانونية. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الرواية، وعلى معنى “الوضع القائم” ذاته: هل هو ما أقرّه التاريخ والقانون الدولي، أم ما تفرضه القوة العسكرية منذ عام 1967؟
أولاً: “الوضع القائم” كمفهوم تاريخي وقانوني
يعود مفهوم “الوضع القائم” إلى جذور عثمانية في القرن التاسع عشر، حين صدرت “الفرمانات” السلطانية التي نظّمت شؤون الأماكن المقدسة، مؤكدةً على حفظ الحقوق الدينية والتاريخية للمسلمين والمسيحيين في القدس، ومن ضمنها الحرم القدسي الشريف. وقد ترسّخ هذا المفهوم لاحقاً في إطار القانون الدولي مع تقرير اللجنة الدولية المنبثقة عن عصبة الأمم عام 1930، عقب أحداث هبّة البراق.
ذلك التقرير شكّل مرجعية قانونية واضحة، إذ أكد أن المسجد الأقصى، بما في ذلك حائط البراق، هو ملك خالص للمسلمين، مع السماح لليهود بأداء طقوس دينية محدودة في إطار لا يمسّ بالسيادة الإسلامية أو يغيّر من طبيعة المكان. وقد مثّل هذا التحديد تجسيداً دقيقاً لمفهوم “الوضع القائم” بوصفه نظاماً قانونياً يحفظ الحقوق ولا يفرض وقائع جديدة.
ثانياً: التحوّل بعد عام 1967 – من الحفاظ إلى التغيير
مع احتلال القدس الشرقية عام 1967، أعلنت إسرائيل على لسان وزير حربها آنذاك موشيه ديان التزامها بالحفاظ على “الوضع القائم”. غير أن هذا الإعلان لم يكن سوى غطاء سياسي لعملية تغيير ممنهجة بدأت فوراً على الأرض.
فقد شهدت المرحلة التي تلت الاحتلال سلسلة من الإجراءات التي تمثّل خرقاً جوهرياً لمفهوم “الوضع القائم”، من أبرزها:
هدم حي المغاربة وتوسيع ساحة حائط البراق، بما غيّر المعالم التاريخية والديموغرافية للمكان.
إخضاع مداخل المسجد الأقصى لسيطرة الشرطة الإسرائيلية، بما قيّد حرية العبادة للمسلمين، خاصة من الضفة الغربية وقطاع غزة.
تنفيذ حفريات أسفل المسجد الأقصى، في محاولة لإعادة تشكيل الرواية التاريخية، مع ما يرافق ذلك من مخاطر على البنية الإنشائية للمسجد.
رعاية الاقتحامات اليومية للمستوطنين، وتحويلها إلى واقع اعتيادي محمي بالقوة العسكرية.
فرض تقسيم زماني ومكاني غير معلن، يتجلى في تخصيص أوقات ومسارات للمقتحمين، ومنع المصلين المسلمين من الوصول إلى أجزاء من المسجد خلال تلك الفترات.
السماح بأداء طقوس دينية يهودية داخل باحات الأقصى، بما يشكّل سابقة خطيرة تتناقض مع كل المرجعيات التاريخية والقانونية.
هذه الإجراءات لا يمكن قراءتها كخروقات متفرقة، بل كسياسة متكاملة تهدف إلى “تحرير” مفهوم الوضع القائم من مضمونه الأصلي، واستبداله بواقع جديد تفرضه إسرائيل كأمر واقع.
ثالثاً: “الوضع القائم” الإسرائيلي – إعادة تعريف بالقوة
تطرح إسرائيل اليوم رواية مغايرة لمفهوم “الوضع القائم”، تقوم على الادعاء بأنها تحافظ عليه، في حين أنها في الواقع تعيد تعريفه بما يتلاءم مع مشروعها السيادي في القدس. هذا الاستخدام السياسي للمصطلح يشكّل نوعاً من التضليل القانوني، حيث يتم توظيف مفهوم تاريخي لحماية واقع استعماري متغير.
فالسيطرة على الأقصى لم تعد مسألة أمنية أو دينية فحسب، بل باتت تعبيراً عن مشروع سيادي شامل، يسعى إلى تثبيت “القدس الموحدة” تحت الهيمنة الإسرائيلية، وإعادة تشكيل هوية المكان بما يتماشى مع الرواية الصهيونية.
رابعاً: الأقصى كجوهر الصراع – بين الهوية والسيادة
إن استهداف “الوضع القائم” في المسجد الأقصى يتجاوز البعد الديني، ليصل إلى صلب الصراع على الهوية والسيادة. فالمسجد الأقصى ليس مجرد موقع ديني، بل هو رمز للوجود الفلسطيني، ومحور القضية الوطنية، ورافعة الوعي الجمعي.
ومن هنا، فإن أي دعوة للقبول بـ”التهدئة” أو “عدم تغيير الوضع القائم” بصيغته الحالية، إنما تعني عملياً القبول بالواقع الذي فرضه الاحتلال، وهو ما يرفضه الشعب الفلسطيني الذي يرى في ذلك تكريساً للاحتلال لا حلاً له.
خامساً: بين التهدئة والمواجهة – قراءة استراتيجية
إن الدعوات الدولية والإقليمية للتهدئة غالباً ما تتجاهل حقيقة أن “الوضع القائم” قد تم تغييره فعلياً منذ عقود، وأن الحديث عن العودة إليه دون تحديد مرجعيته التاريخية والقانونية، يشكّل انحيازاً ضمنياً للرواية الإسرائيلية.
وعليه، فإن أي مقاربة استراتيجية لحماية المسجد الأقصى يجب أن تنطلق من:
إعادة التأكيد على المرجعيات القانونية الدولية، وخاصة تقرير عام 1930.
دعم الوصاية الدينية والإدارية للأوقاف الإسلامية.
فضح الممارسات الإسرائيلية باعتبارها انتهاكات للقانون الدولي.
ربط قضية الأقصى بمسار إنهاء الاحتلال، باعتباره الحل الجذري.
خاتمة
إن “الوضع القائم” في المسجد الأقصى لم يعد كما كان، بل تم تفريغه من مضمونه التاريخي والقانوني، وإعادة تشكيله بما يخدم مشروع الاحتلال. وبينما تسعى إسرائيل إلى تثبيت هذا الواقع كأمر نهائي، يواصل الشعب الفلسطيني نضاله للحفاظ على هوية المكان واستعادة معناه الحقيقي.
فالمعركة على الأقصى هي معركة على الذاكرة والهوية والسيادة، وهي في جوهرها معركة على فلسطين ذاتها. وكما أثبت التاريخ، فإن الشعوب التي تدافع عن مقدساتها لا تنكسر، بل تعيد إنتاج قوتها من رحم التحدي، وتبقى قادرة على فرض معادلات جديدة، مهما طال الزمن.