قوة الكلمة وحدودها: من القول إلى الفعل
محمد قاروط أبو رحمه
قوة الكلمة وحدودها: من القول إلى الفعل
محمد قاروط أبو رحمه
ليست الكلمة كائنًا مستقلًا يولد من ذاته، ولا قوة سحرية قادرة بذاتها على تغيير الواقع. الكلمة، في جوهرها، نتاج إنسان: وعيه، وتجربته، وموقعه من العالم. هي تعبير، وليست فعلًا مكتملًا. ومن هنا تبدأ الإشكالية في فهم دورها وحدودها.
كثيرًا ما يُحتفى بالكلمة بوصفها أداة التغيير الأولى، ويُبالغ في تقدير أثرها، حتى يكاد يُظن أن مجرد قول الأشياء يكفي لحدوثها. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالكلمة، مهما بلغت بلاغتها، تظل وعدًا مؤجلًا ما لم تجد من يحملها إلى حيّز الفعل.
الكلمة لا تنتج ذاتها؛ إذ لا معنى لها خارج سياقها الإنساني. هي ابنٌ لظرفٍ تاريخي، وواقعٍ اجتماعي، وإرادةٍ فردية أو جماعية. وحين تُفصل عن هذا السياق، تتحول إلى صوتٍ معلق في الفراغ، لا أثر له إلا في حدود الانفعال اللحظي.
كما أن الكلمة، بذاتها، لا تُفضي إلى الفعل. فهي قد تُلهم، وقد تُحرّض، وقد تُفسّر، لكنها لا تُنجز. الفعل يحتاج إلى ما هو أكثر من القول: يحتاج إلى قرار، وإرادة، وتنظيم، واستمرارية. وبين الكلمة والفعل مسافة لا تُختصر إلا بالعمل.
ومن هنا أيضًا، فإن صناعة السردية، على أهميتها، لا تكفي لإنتاج واقع. يمكن لأي جهة أن تبني سردية متماسكة، وأن تكررها حتى تترسخ في الوعي، لكن الواقع لا يتشكل بالسرديات وحدها. السردية قد تُعيد تفسير الواقع، أو تُبرر مساره، لكنها لا تصنعه ما لم تتحول إلى برامج وأفعال ملموسة.
الواقع، في نهاية المطاف، يصنعه الإنسان: الإنسان الذي يحمل الكلمة، ويؤمن بها، ويحوّلها؛ بالجهد والوقت، إلى ممارسة. هو الذي ينقلها من مستوى الفكرة إلى مستوى الإنجاز، ومن دائرة الخطاب إلى ميدان الفعل. دون هذا الإنسان، تبقى الكلمة فكرة، وتبقى السردية رواية، ويبقى الواقع على حاله.
وهنا تتحدد قيمة الكلمة الحقيقية: ليست في جمالها، ولا في قدرتها على التأثير اللحظي، بل في قابليتها لأن تُترجم إلى فعل. الكلمة القوية ليست تلك التي تُقال بإتقان، بل تلك التي تجد من يلتزم بها، ويعمل على تحقيقها، ويتحمل كلفتها.
في السياق السياسي، تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحًا. فكم من خطابات رفعت شعارات كبرى، وبنت سرديات متماسكة، لكنها لم تُنتج واقعًا مختلفًا. وكم من كلماتٍ فقدت قيمتها لأنها لم تجد من يحولها إلى سياسات، أو إلى مؤسسات، أو إلى نتائج ملموسة في حياة الناس.
ليس التقليل من شأن الكلمة هو المقصود، بل إعادة وضعها في مكانها الصحيح. الكلمة بداية، وليست نهاية. هي أداة، لا بديل عن الفعل. وهي وعد، لا يتحقق إلا بمن يفي به.
في النهاية، لا يكفي أن نقول ما نريد أن يكون، بل علينا أن نصنع ما نقول. فبين الكلمة والواقع، يقف الإنسان: إما أن يكون جسرًا يعبر به المعنى إلى الحياة، أو أن تبقى الكلمات حبيسة اللسان، عاجزة عن تغيير العالم.



