الانتخابات للمجالس البلدية والمحلية والوحدة الوطنية الفلسطينية: ضرورة الترفع إلى مستوى المسؤولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الانتخابات للمجالس البلدية والمحلية والوحدة الوطنية الفلسطينية: ضرورة الترفع إلى مستوى المسؤولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في لحظة مفصلية يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني، حيث تتكاثف التحديات السياسية والميدانية والاقتصادية، تبرز الانتخابات المحلية والبلدية بوصفها استحقاقًا وطنيًا يتجاوز كونه إجراءً ديمقراطيًا دوريًا، ليغدو مدخلًا حقيقيًا لإعادة بناء الثقة وتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ صمود المواطن الفلسطيني في مواجهة سياسات الاحتلال. وفي هذا السياق، تغدو الدعوة إلى الترفع عن الحسابات الضيقة والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية ضرورة ملحّة لا تقبل التأجيل.
الانتخابات بين تجديد الشرعية ومخاطر التسييس
تشكل الانتخابات، في جوهرها، أداة ديمقراطية لتجديد الشرعيات وضخ دماء جديدة في مؤسسات الحكم المحلي، بما يعزز من كفاءتها وقدرتها على تقديم الخدمات. غير أن هذه الأداة قد تنحرف عن مسارها الطبيعي إذا ما أُغرقت في التوظيف السياسي الضيق، أو تحولت إلى ساحة صراع فئوي وعائلي بعيدًا عن التنافس البرامجي.
إن اختزال العملية الانتخابية في صراع نفوذ أو امتداد لحالة الانقسام السياسي من شأنه أن يقوض دور الهيئات المحلية كمؤسسات خدماتية تنموية، ويهدد النسيج الاجتماعي، ويضعف الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتصاعدة. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من كافة القوى والفصائل والمرشحين تبني خطاب جامع، يقوم على البرامج الواقعية القابلة للتطبيق، ويبتعد عن التحريض والتخوين، ويضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
إدارة الخلافات: بين النضج والانزلاق
إن التعددية السياسية في الحالة الفلسطينية تعكس حيوية المجتمع وتنوع رؤاه، وهي ظاهرة صحية إذا ما أُحسن توظيفها ضمن أطر وطنية جامعة. غير أن الإشكالية تكمن في غياب آليات إدارة الخلاف، حيث يتحول التباين المشروع إلى حالة استقطاب حاد، يتم خلالها تضخيم الأخطاء وتوظيفها في سياق تصفية الحسابات السياسية.
إن هذا النهج لا يؤدي إلا إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية، وتشتيت الجهود، وإرباك المشهد الداخلي، في وقت يستثمر فيه الاحتلال هذه الحالة لتعزيز سياساته الاستيطانية وفرض وقائع جديدة على الأرض. وعليه، فإن النضج الوطني يقتضي تحييد الخلافات عن القضايا الخدمية والتنموية، وضبطها ضمن أطر ديمقراطية مسؤولة.
سياق الضغوط المركبة: وحدة الموقف ضرورة
لا يمكن قراءة المشهد الانتخابي بمعزل عن السياق العام الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار العدوان على قطاع غزة، وتصاعد وتيرة الاقتحامات في الضفة الغربية، وما يرافق ذلك من سياسات تضييق اقتصادي ومالي ممنهج.
إن هذه الضغوط المركبة تستدعي موقفًا وطنيًا موحدًا يدرك أن الانقسام لم يعد مجرد تباين سياسي، بل تحول إلى ثغرة بنيوية تُستغل لإضعاف القدرة على الصمود والمواجهة. ومن هنا، فإن أي استحقاق انتخابي يجب أن يُبنى على قاعدة تعزيز الوحدة، لا تكريس الانقسام.
نحو رؤية وطنية جامعة: الانتخابات كرافعة للوحدة
إن تحويل الانتخابات المحلية إلى رافعة حقيقية للوحدة الوطنية يتطلب جملة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها:
تحييد الهيئات المحلية عن التجاذبات السياسية، وتعزيز دورها كمؤسسات خدماتية تنموية.
ترسيخ ثقافة الشراكة الوطنية، وإدارة التنافس ضمن قواعد ديمقراطية تحترم النتائج وتحتكم إلى القانون.
وقف خطاب الكراهية والتخوين، واعتماد لغة الحوار والمسؤولية في إدارة الاختلاف.
دعم البرامج الانتخابية الواقعية التي تركز على تحسين مستوى الخدمات وتعزيز صمود المواطنين.
توحيد الخطاب الإعلامي بما يخدم المصلحة الوطنية ويواجه حملات التحريض والتضليل.
المسؤولية الوطنية: معيار الحكم على الجميع
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل المناكفات السياسية ولا الحسابات الفئوية الضيقة. فالتاريخ لن يرحم، وسيحكم على الجميع بقدر ما قدموه من إسهام في تعزيز الوحدة أو تكريس الانقسام. إن الترفع إلى مستوى المسؤولية لا يعني إلغاء التعددية، بل توجيهها لخدمة الهدف الأسمى: حماية المشروع الوطني وصون الحقوق الوطنية.
خاتمة
إن الانتخابات المحلية والبلدية ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتجديد الشرعية، وفتح آفاق جديدة أمام الشراكة الوطنية. وبين خيار الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، أو الانزلاق نحو مزيد من الانقسام، يقف الفلسطينيون أمام لحظة تاريخية فارقة.
فإما أن تتحول هذه الانتخابات إلى محطة لإعادة ترتيب البيت الداخلي على أسس الوحدة والشراكة، وإما أن تبقى ساحة للصراع تعمّق الأزمات وتُضعف الموقف الوطني.
وفي هذه اللحظة، لا خيار إلا الانحياز للوطن، والالتقاء على كلمة سواء: أن وحدة الصف الفلسطيني هي الطريق الوحيد لمواجهة التحديات، وحماية المشروع الوطني، وصون الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.



