لبنان بين قرار حصر السلاح والتوغّل الإسرائيلي: قراءة في التوقيت والمسؤولية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مارس 4, 2026 - 09:52
لبنان بين قرار حصر السلاح والتوغّل الإسرائيلي: قراءة في التوقيت والمسؤولية

يشهد الجنوب اللبناني تطورات ميدانية لافتة، مع تقارير عن دخول قوات إسرائيلية إلى مناطق حدودية، في توقيت يتزامن مع قرار حكومة نواف سلام حصر السلاح بيد الدولة وتجريم أي نشاط عسكري خارج إطار المؤسسات الرسمية. هذا التزامن يفرض قراءة سياسية وقانونية هادئة، بعيداً عن الانفعال، لفهم ما إذا كان القرار الحكومي قد استند إلى تقدير دقيق للواقع، أم أنه جاء في سياق حسابات لم تأخذ بالاعتبار احتمالات السلوك الإسرائيلي.

 من حيث المبدأ، لا خلاف على أن احتكار الدولة لاستخدام القوة يمثل جوهر السيادة. كما أن القرار 1701 الصادر عن الأمم المتحدة يدعو إلى بسط سلطة الدولة جنوب الليطاني وتعزيز انتشار الجيش بالتنسيق مع قوات اليونيفيل. غير أن النصوص الدولية، مهما بلغت قوتها، لا توفر بذاتها ضمانة ميدانية إذا لم تُدعّم بقدرة ردع فعلية واستعداد دفاعي متكامل.

 التوغّل الإسرائيلي: دلالات وتوقيت

 إن دخول قوات إسرائيلية إلى مناطق في الجنوب، سواء تحت ذرائع أمنية أو عمليات محدودة، يحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد العسكري المباشر. فهو يعكس اختباراً عملياً لقدرة الدولة اللبنانية على ضبط الميدان، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان القرار الحكومي قد استند إلى افتراضات متفائلة بشأن سلوك إسرائيل.

 تاريخياً، أثبتت التجربة أن إسرائيل تستثمر في لحظات التحول الداخلي للدول المحيطة بها لتعزيز وقائع ميدانية جديدة. اجتياح عام 1982 في عهد حكومة مناحيم بيغن، وما أعقبه من إقامة «الحزام الأمني» عبر ميليشيا بقيادة أنطوان لحد، يظل مثالاً حاضراً في الذاكرة اللبنانية.

القول إن القرار بحد ذاته هو سبب التوغّل الإسرائيلي قد يكون تبسيطاً مخلّاً؛ فإسرائيل تتحمل، وفق قواعد القانون الدولي، المسؤولية الكاملة عن أي انتهاك للسيادة اللبنانية. غير أن ذلك لا يمنع من مساءلة الأداء السياسي الداخلي، لجهة تقدير التوقيت، وضمان عدم نشوء فراغ أمني ولو مؤقتاً.

  مسؤولية الاحتلال  ومسؤولية الدولة

من الناحية القانونية، يبقى الاحتلال أو التوغّل الإسرائيلي عملاً عدوانياً تتحمل إسرائيل تبعاته، ولا يمكن تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية الفعل الإسرائيلي ذاته. لكن في المقابل، فإن مسؤولية الدولة تكمن في إدارة الملف بما يمنع توفير الذرائع أو الثغرات التي قد تُستغل لفرض أمر واقع جديد في الجنوب.

 إن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية التوغّل يُعفي الفاعل الأصلي من المحاسبة، بينما تجاهل أثر القرار وتوقيته يُضعف النقاش الوطني المطلوب. المطلوب إذاً مقاربة متوازنة: تثبيت أن أي توغل هو انتهاك صريح للسيادة، وفي الوقت ذاته مراجعة داخلية دقيقة لآليات تنفيذ قرار حصر السلاح.

نحو استراتيجية دفاعية جامعة

لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى رؤية وطنية شاملة تُنهي الانقسام حول السلاح، من دون أن تفتح الباب أمام إعادة إنتاج «الحزام الأمني» أو أي صيغة احتلال مقنّع. وهذا يتطلب:

 تعزيز انتشار الجيش اللبناني بقدرات حقيقية لا شكلية.

 تفعيل دور اليونيفيل ضمن تفويض واضح يحمي السيادة اللبنانية.

 إطلاق حوار وطني مسؤول يفضي إلى استراتيجية دفاعية تدمج عناصر القوة ضمن قرار الدولة.

خاتمة

 إن ما يجري في الجنوب ليس مجرد حدث أمني عابر، بل اختبار لجدوى القرار السياسي ولقدرة الدولة على إدارة توازن دقيق بين السيادة والردع. إسرائيل مسؤولة عن أي توغّل أو احتلال، وفق القانون الدولي. غير أن الحكمة السياسية تقتضي مراجعة التقديرات، وتصويب المسار، وبناء إجماع وطني يحول دون أن يتحول قرار استعادة السيادة إلى مدخل لاهتزازها.

لبنان أمام مفترق حساس، والخيار ليس بين الدولة والمقاومة، بل بين إدارة رشيدة للتحديات أو تركها تتفاقم في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.