إيران بعد خامنئي: قراءة استراتيجية في دلالات الاختيار وسيناريوهات المرحلة المقبلة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
إيران بعد خامنئي: قراءة استراتيجية في دلالات الاختيار وسيناريوهات المرحلة المقبلة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكّل احتمال انتخاب مجتبى خامنئي خلفًا للمرشد الأعلى علي خامنئي محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لما يحمله من أبعاد دستورية وسياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الشخصي إلى طبيعة النظام ذاته وتوازناته الداخلية والخارجية.
هذا التطور – إن تحقق – لا يمكن قراءته بوصفه انتقالًا اعتياديًا للسلطة، بل باعتباره لحظة إعادة تموضع مؤسسي في بنية الحكم، في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وصراع مفتوح مع إسرائيل، وتوتر مستمر مع الولايات المتحدة، وتداخل ملفات أمنية واقتصادية معقدة.
أولًا: البعد الدستوري والسياسي للاختيار
يقوم نظام الجمهورية الإسلامية، منذ تأسيسه بقيادة روح الله الخميني، على مبدأ “ولاية الفقيه” بوصفه مرجعية دينية – سياسية عليا. ومن الناحية الدستورية، فإن “مجلس خبراء القيادة” هو الجهة المخوّلة بانتخاب المرشد الأعلى.
غير أن أي انتقال محتمل للسلطة في هذه المرحلة سيُختبر على مستويين:
الشرعية المؤسسية: مدى التزام آليات الانتخاب بالإطار الدستوري المنصوص عليه.
الشرعية المجتمعية: قدرة القيادة الجديدة على تأمين قبول داخلي واسع، في ظل تحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية متزايدة.
التحليل الموضوعي يشير إلى أن اختيار شخصية من داخل الدائرة القريبة من مركز القرار قد يُفهم باعتباره خيارًا للاستمرارية والاستقرار المؤسسي، خصوصًا في أوقات الأزمات. وفي المقابل، قد يُثير نقاشًا داخليًا حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود الإصلاح السياسي.
ثانيًا: التوازنات الداخلية وإدارة المرحلة الانتقالية
أي قيادة جديدة ستواجه ثلاثة ملفات أساسية:
الاقتصاد والعقوبات الدولية
إعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسة الدينية
إدارة العلاقة مع الحرس الثوري ومراكز القوة داخل الدولة
من المرجح أن تميل القيادة الجديدة – إن جاءت من داخل البنية التقليدية للنظام – إلى ترجيح كفة الاستقرار والأمن الداخلي، مع تجنب تغييرات جذرية سريعة. غير أن متطلبات تثبيت الشرعية قد تدفع نحو مقاربات أكثر براغماتية في الملفات الاقتصادية والدبلوماسية.
ثالثًا: سيناريوهات مسار الحرب والتوتر الإقليمي
في ضوء المواجهة القائمة بين إيران وإسرائيل، يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية:
1. استمرار الردع المتبادل
استمرار نمط المواجهة غير المباشرة، عبر أدوات ضغط محسوبة، مع تجنب حرب شاملة.
هذا السيناريو هو الأقرب للواقعية، نظرًا لكلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
2. تصعيد منضبط
رفع مستوى الردود المتبادلة ضمن حدود مدروسة، بهدف تحسين شروط التفاوض أو ترميم صورة الردع، دون تجاوز الخطوط الحمراء الإقليمية.
3. مواجهة واسعة
سيناريو أقل ترجيحًا، لكنه يبقى قائمًا إذا تداخلت الحسابات الأمريكية – الإسرائيلية بشكل مباشر في ضرب أهداف استراتيجية داخل إيران.
المؤشر الحاسم هنا ليس فقط شخصية المرشد المقبل، بل طبيعة البيئة الإقليمية ومقدار الضغوط المتبادلة.
رابعًا: موقف الإدارة الأمريكية
الولايات المتحدة تنظر إلى أي انتقال قيادي في طهران بوصفه لحظة اختبار.
تتمحور حسابات واشنطن حول:
البرنامج النووي الإيراني وإمكانية إعادة تفعيل مسار تفاوضي.
أمن إسرائيل كأولوية ثابتة في السياسة الأمريكية.
تفادي حرب إقليمية واسعة قد تؤثر في الاستقرار العالمي وأسواق الطاقة.
من المتوقع أن تعتمد الإدارة الأمريكية سياسة “الاختبار الحذر”: إبقاء قنوات الاتصال غير المباشر مفتوحة، مع استمرار الضغط السياسي والاقتصادي.
خامسًا: الحسابات الإسرائيلية
بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن أي انتقال في القيادة الإيرانية يمثل فرصة لإعادة تقييم الاستراتيجية.
إسرائيل قد تميل إلى:
تكثيف الضغوط قبل تثبيت القيادة الجديدة،
أو
التريث لتفادي توحيد الداخل الإيراني خلف قيادة جديدة في حال وقوع تصعيد واسع.
الهدف الإسرائيلي المعلن يبقى منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، والحفاظ على التفوق العسكري النوعي، دون الانزلاق إلى حرب طويلة متعددة الجبهات.
سادسًا: التأثير الإقليمي والقضية الفلسطينية
السياسة الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية تشكّل جزءًا من العقيدة الاستراتيجية للنظام، وليست مرتبطة بشخص المرشد فقط. لذلك، من غير المتوقع حدوث تغيير جوهري في هذا الملف.
لكن قد يطرأ تعديل في آليات الإدارة والتوقيت، تبعًا لأولويات تثبيت القيادة الجديدة داخليًا، وقراءة المخاطر الإقليمية.
المنطقة برمتها تقف أمام معادلة دقيقة:
صراع مستمر منخفض الوتيرة، مقابل حرب شاملة عالية الكلفة لا يرغب بها أي طرف، لكنها تبقى احتمالًا قائمًا إذا اختلّت حسابات الردع.
خلاصة تحليلية
إن انتخاب مجتبى خامنئي – إذا تم – سيمثل خيارًا للاستمرارية المؤسسية في مرحلة حساسة.
غير أن نجاح هذا الخيار سيعتمد على:
قدرة القيادة الجديدة على تثبيت شرعيتها داخليًا.
إدارتها المتوازنة لملف الحرب والتوتر الإقليمي.
شكل العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل تعقيدات المشهد الدولي.
إيران مقبلة – في كل الأحوال – على مرحلة إعادة تموضع، لا ثورة تغيير.
والمنطقة بأسرها تراقب بعين القلق والحذر، في ظل معادلة ردع متبادل تختبر حدودها يومًا بعد يوم.
—
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي والشؤون الاستراتيجية
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



