بين الضوء والعتمة: المعركة التي لا تنتهي
محمد قاروط أبو رحمه
بين الضوء والعتمة: المعركة التي لا تنتهي
محمد قاروط أبو رحمه
ليست العلاقة بين الضوء والعتمة قصة انتصار نهائي لأحدهما على الآخر، وليست معركة تنتهي حين يصل النور أو يختفي الظلام. إنها حالة مستمرة، تتجدد في الطبيعة، والإنسان، والتاريخ، والأفكار. فكلما اتسعت دائرة الضوء، ظهرت حدود جديدة للعتمة، وكلما انكشفت منطقة من المجهول، برزت مناطق أخرى تنتظر الاكتشاف.
لهذا، ربما يكون الخطأ الأكبر أن نتعامل مع العتمة وكأنها حادث عابر، أو مع الضوء وكأنه حالة دائمة ومستقرة. فالوجود نفسه قائم على هذا التوتر الخلّاق بين ما نعرفه وما نجهله، بين ما تحقق وما يزال ممكنًا، بين ما انكشف وما بقي مستورًا.
وفي داخل الإنسان تتجسد هذه المعركة بأوضح صورها.
فالخير والشر ليسا كائنين منفصلين يعيشان خارجنا، بل احتمالان حاضران في التجربة الإنسانية. وفي كل يوم، وفي كل قرار، وفي كل موقف، يخوض الإنسان معركته الخاصة بين ما يرفعه وما يهبط به، بين ما يوسّع إنسانيته وما يضيّقها.
لكن قيمة الإنسان لا تكمن في أنه وُلد كامل النور، بل في أنه قادر على الاختيار.
فالضوء ليس حالة موروثة بقدر ما هو ممارسة مستمرة، والعتمة ليست قدرًا محتومًا بقدر ما هي إمكانية قائمة. وبين الإمكانيتين يتشكل معنى المسؤولية الإنسانية.
ومن هنا، تصبح المهمة الأولى للإنسان ليست القضاء على كل عتمة في العالم، فهذا أمر يتجاوز قدرته، بل أن يحرس نفسه من أن يتحول هو ذاته إلى مصدر للعتمة.
ألا يصبح جهلًا يرفض المعرفة.
ولا تعصبًا يرفض الفهم.
ولا كراهيةً ترفض الإنسانية.
ولا قوةً تستخدم ما تعرفه لإطفاء نور الآخرين.
فالإنسان حين يتوقف عن مراجعة نفسه، ويغلق أبواب الأسئلة، ويظن أنه امتلك الحقيقة كاملة، تبدأ العتمة بالتشكل داخله، حتى لو كان يتحدث كثيرًا عن النور.
أما المهمة الثانية، فهي أن يبقى منفتحًا على الاستكشاف.
أن يحافظ على فضوله.
أن يمد يده دائمًا إلى المساحات التي لم يفهمها بعد.
أن ينظر إلى المجهول لا باعتباره تهديدًا دائمًا، بل باعتباره مجالًا لاحتمالات جديدة.
فالعتمة ليست فقط مكانًا للخوف، بل مكانًا للمعرفة التي لم تولد بعد، وللأفكار التي لم تُكتشف، وللقدرات التي لم تُختبر.
ولهذا فإن الإنسان الذي يتوقف عن استكشاف العتمة يتوقف، بصورة أو بأخرى، عن النمو.
إن النضج الحقيقي لا يتحقق حين نهزم العتمة مرة واحدة، بل حين نتعلم كيف نعيش هذا الصراع بوعي. أن نحمل نورًا يكفي لخطوتنا التالية، دون أن ندّعي أننا أضأنا العالم كله. وأن نعترف بوجود العتمة، دون أن نسمح لها بأن تسكن قلوبنا أو تقود خياراتنا.
في النهاية، قد لا تكون الحكمة في الانتصار النهائي للضوء على العتمة، بل في استمرار الحركة بينهما.
فالضوء يكشف الطريق.
والعتمة تكشف حدود ما نعرف.
وبينهما يتشكل الإنسان.
إنسانٌ لا يتوقف عن البحث، ولا يتوقف عن التعلم، ولا يسمح للعتمة أن تصبح هويته، لكنه لا يتوقف أيضًا عن اكتشاف ما تخبئه في أعماقها من إمكانات ومعانٍ لم تُرَ بعد.
فالمعركة بين الضوء والعتمة لا تنتهي.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يتوقف الإنسان عن أن يصبح أكثر إنسانية



