فشل “الصدمة والرعب” في إيران: قراءة في حدود القوة وإشكاليات التقدير الاستراتيجي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مارس 3, 2026 - 22:27
فشل “الصدمة والرعب” في إيران: قراءة في حدود القوة وإشكاليات التقدير الاستراتيجي

فشل “الصدمة والرعب” في إيران: قراءة في حدود القوة وإشكاليات التقدير الاستراتيجي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أثارت تصريحات الكولونيل الأميركي المتقاعد والمحلل العسكري دانيال ديفيس اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية، بعد اعتباره أن الرهان الأميركي – الإسرائيلي على عملية سريعة لـ“قطع رأس” إيران عبر تكتيك “الصدمة والرعب” لم يحقق أهدافه، وأن تقديرات الحسم الخاطف اصطدمت بواقع ميداني واستراتيجي أكثر تعقيداً.
هذه القراءة، الصادرة عن ضابط خدم داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد رأي عابر، بل تعكس نقاشاً أعمق داخل الدوائر الغربية حول جدوى استخدام القوة الصلبة لتحقيق أهداف سياسية في بيئات إقليمية شديدة التعقيد.
حدود عقيدة “الصدمة والرعب”
تعتمد عقيدة “الصدمة والرعب” على توجيه ضربات مكثفة ومباغتة تُحدث صدمة نفسية وعسكرية لدى الخصم، بما يؤدي إلى شل قدرته على اتخاذ القرار ودفعه نحو الاستسلام السريع. وقد استُخدمت هذه المقاربة في تجارب سابقة، أبرزها العراق عام 2003، حيث افترض صانع القرار الأميركي أن التفوق الجوي والتكنولوجي كفيل بإسقاط الخصم خلال أيام.
غير أن الحالة الإيرانية تختلف من حيث الجغرافيا والديمغرافيا والبنية المؤسسية والعقيدة القتالية. فإيران دولة ذات مساحة واسعة، وبنية عسكرية متعددة المستويات، وشبكة تحالفات إقليمية، إضافة إلى خبرة طويلة في إدارة الأزمات تحت العقوبات والضغوط. ومن ثم، فإن افتراض الانهيار السريع بعد ضربة أولى مكثفة قد لا يستند إلى قراءة كافية لتعقيدات المشهد.
إشكالية التقدير الاستراتيجي
تصريحات ديفيس تضع الإصبع على نقطة حساسة تتعلق بخلل محتمل في التقدير الاستراتيجي. ففكرة “قطع الرأس” تفترض أن النظام السياسي يعتمد على مركزية مطلقة تجعل استهداف القيادة كافياً لإحداث انهيار شامل. إلا أن التجارب الحديثة تشير إلى أن الدول ذات البنية المؤسسية المتشابكة قادرة على امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم مراكز القرار بسرعة.
كما أن أي مواجهة مع دولة بحجم إيران لا يمكن حصرها في بعدها العسكري فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وأمنية وإقليمية، بما يفتح المجال أمام ردود غير مباشرة أو ممتدة زمنياً، وهو ما يحوّل أي رهانات على الحسم السريع إلى مخاطرة استراتيجية.
انعكاسات إقليمية محتملة
إن تعثر تحقيق أهداف سريعة في مواجهة إيران يحمل تداعيات مباشرة على ميزان الردع في المنطقة. فإطالة أمد الصراع تعني انتقاله من منطق الضربة الخاطفة إلى منطق الاستنزاف، وهو سيناريو يرفع منسوب المخاطر على ساحات متعددة، من الخليج إلى بلاد الشام.
وفي السياق الفلسطيني، فإن أي تصعيد إقليمي واسع قد ينعكس على الضفة الغربية وقطاع غزة، سواء عبر تشديد الإجراءات الأمنية أو عبر إعادة ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين والإقليميين. كما أن انشغال القوى الكبرى بمواجهة مفتوحة قد يضع القضية الفلسطينية في موقع التأثر المباشر بالتحولات الكبرى، سلباً أو إيجاباً، تبعاً لمسار الأحداث.
البعد الأميركي الداخلي
لا يمكن إغفال أن الجدل حول جدوى الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران يتقاطع مع نقاش داخلي في الولايات المتحدة بشأن حدود القوة الأميركية بعد تجربتي العراق وأفغانستان. وتأتي مواقف شخصيات عسكرية متقاعدة، مثل ديفيس، لتعكس توجهاً يدعو إلى الحذر من تكرار أخطاء التقدير التي قد تفضي إلى انخراط طويل ومكلف دون تحقيق أهداف سياسية واضحة.
بين الردع والتصعيد
تحذير ديفيس من أن الفشل قد يقود إلى ما هو “أكثر خطورة” يعكس هاجساً مشروعاً من أن تسعى الأطراف المعنية إلى استعادة هيبة الردع عبر خطوات تصعيدية إضافية. وفي بيئة إقليمية متوترة أصلاً، فإن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع تتجاوز حدودها الأولية.
وعليه ووفق كل ذلك تُظهر التطورات الأخيرة أن معادلات القوة في الشرق الأوسط لم تعد تُحسم بسهولة عبر التفوق العسكري وحده. فالتعقيد الجغرافي والسياسي وتداخل المصالح الإقليمية والدولية تجعل من أي رهان على الحسم السريع مخاطرة عالية الكلفة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية، وتغليب منطق الحسابات الدقيقة على رهانات الصدمة، بما يجنّب المنطقة مزيداً من الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة قد تكون نتائجها أبعد مدى وأشد تأثيراً على استقرار الإقليم بأسره.