بين الماء والنار

فلسطين... حين يصبح البقاء فعل مقاومة

يوليو 27, 2026 - 12:32
يوليو 27, 2026 - 12:47
بين الماء والنار

بين الماء والنار

فلسطين... حين يصبح البقاء فعل مقاومة

محمد قاروط أبو رحمه وسعدات عمر

في فلسطين، لا تبدو الأشياء كما تبدو في أماكن أخرى. فالماء ليس مجرد ماء، والنار ليست مجرد نار. كلاهما يتحول إلى لغة تروي حكاية الإنسان الفلسطيني، الذي يعيش يوميًا بين نقيضين: بين الحياة والموت، وبين الأمل واليأس، وبين البناء والخراب.

الماء رمز للحياة، وللاستمرار، وللقدرة على النمو مهما اشتدت الظروف. أما النار فهي رمز للحرب والاحتلال والدمار، لكنها في الوقت ذاته قد تصبح رمزًا للرفض والإرادة والكرامة. وهكذا يجد الفلسطيني نفسه واقفًا بين الماء والنار، لا يملك ترف اختيار أحدهما، بل يضطر إلى العيش معهما معًا.

هذه هي خصوصية التجربة الفلسطينية؛ فالحياة لا تتوقف رغم الموت، والأحلام لا تنطفئ رغم الحرائق. يمضي الأطفال إلى مدارسهم، ويزرع الفلاح أرضه، وتفتح المكتبات أبوابها، ويكتب الشعراء قصائدهم، بينما تحاول آلة الحرب أن تجعل من الحياة استثناءً لا قاعدة.

ولذلك فإن أخطر ما يهدد فلسطين ليس النار وحدها، بل أن تجف منابع الماء في النفوس؛ أن يفقد الإنسان إيمانه بالمستقبل، أو أن يتحول الألم إلى اعتياد، والظلم إلى مشهد يومي لا يثير الضمير.

إن الاحتلال لا يستهدف الأرض فقط، بل يستهدف المعنى أيضًا. يحاول أن يجعل الفلسطيني يعيش داخل دائرة من الخوف والانتظار، وأن يقنعه بأن المستقبل مغلق، وأن الزمن لا يحمل إلا مزيدًا من الفقد.

لكن التاريخ الفلسطيني يثبت العكس. ففي كل مرة ظن فيها المحتل أن النار أحرقت كل شيء، كان الماء يعود من مكان آخر. تعود الحياة من بيت هُدم، ومن مدرسة أُغلقت، ومن شجرة زيتون قُطعت، ومن طفل يحمل حقيبته إلى المدرسة، ومن أم تزرع الأمل في قلب أبنائها رغم كل شيء.

إن الصراع في فلسطين ليس صراعًا بين شعب وجيش فحسب، بل هو صراع بين فلسفتين: فلسفة تؤمن بأن القوة تصنع الحق، وفلسفة تؤمن بأن الحق يمنح الإنسان القدرة على الصمود مهما اختلت موازين القوة.

ولهذا فإن الماء والنار ليسا نقيضين منفصلين، بل هما صورتان لحقيقة واحدة يعيشها الفلسطيني كل يوم. فكلما اشتدت النار، ازدادت الحاجة إلى الماء؛ ماء الوعي، وماء الصبر، وماء الذاكرة، وماء الإيمان بأن الحياة تستحق أن تُعاش بحرية وكرامة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على إنسانيته وهو يعيش بين الماء والنار؟

ربما تكون الإجابة في أن الفلسطيني لم يجعل من البقاء مجرد غريزة، بل حوّله إلى موقف أخلاقي، وإلى فعل مقاومة، وإلى إصرار على أن الحياة، مهما اشتدت النيران، ستظل قادرة على أن تجد طريقها كما يجد الماء مجراه.

فبين الماء والنار، لا تختار فلسطين أحدهما، بل تصنع منهما معًا حكايتها؛ حكاية شعب يعرف أن النار قد تحرق الأغصان، لكنها لا تستطيع أن تمنع الينابيع من أن تتدفق، ولا أن تمنع الحياة من أن تعود من جديد.