حادثة قرية تل .. تزيد من الاحتقان ضد الاحتلال وتقلل من فرص نتنياهو بالفوز
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في الأمن القومي الإسرائيلي والفلسطيني
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في الأمن القومي الإسرائيلي والفلسطيني
شكّلت حادثة قرية تل في محافظة نابلس، التي وقعت يوم الجمعة، نقطة تحول دامية في الضفة الغربية، حيث أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل إسرائيليين اثنين.
وكانت الأحداث قد بدأت بهجوم لمستوطنين على البلدة، وتطورت إلى مواجهات عنيفة ثم إلى حملة عسكرية واعتقالات واسعة، وزادت من احتقان الفلسطينيين المتزايد في الضفة الغربية وتركت تأثيرها المباشر على التدهور الأمني المتسارع في الضفة، وانعكست بشكل جلي على المشهد السياسي الإسرائيلي عشية الانتخابات العامة
وفقاً للمصادر الفلسطينية الموثقة بفيديوهات بدأت الأحداث بهجوم شنه حوالي 30 مستوطناً مسلحاً على منازل سكان قرية تل الذين كانوا يتجهزون للذهاب لصلاة الجمعة، مما دفع الأهالي للتصدي دفاعاً عن أنفسهم وممتلكاتهم.
وتخلل ذلك إطلاق نار كثيف من قبل المستوطنيين المهاجمين ومن قوات الجيش التي حضرت للمكان. لحماية المهاجمين، ما أدى إلى استشهاد 4 فلسطينيين من عائلة واحدة، بينما قُتل اثنان من المستوطنين احدهما جندي بعد أن تمكن شاب فلسطيني من انتزاع سلاح أحد المستوطنين.
في أعقاب الحادثة مباشرة، فرض الجيش الإسرائيلي حصاراً مشدداً على بلدة تل ومدينة نابلس وباقي محافظات الضفة الغربية، ونفذ حملة اعتقالات واسعة طالت حوالي 80 فلسطينياً، إضافة إلى تحويل بعض المنازل إلى مراكز تحقيق ميدانية. كما اقتحم الجنود مستشفى نابلس التخصصي، واعتقلوا شقيقين من عائلة الشهيد فاروق رمضان، بينهما مصاب.
هذا التصعيد لم يقتصر على تل، بل امتد ليشمل اعتداءات متصاعدة من المستوطنين في قرى صرة وعوريف وجيت وقرى اخرى في قلقيلية ورام الله والخليل وبيت لحم، حيث أضرمت النار في منازل وممتلكات، مما أسفر عن إصابات إضافية. وقد وثقت تقارير أممية أن هذا النمط من العنف ليس معزولاً، حيث بلغ متوسط هجمات المستوطنين ست هجمات يومياً في عام 2026.
وتشير الأرقام الصادرة عن قيادة المنطقة الوسطى للاحتلال عن ارتفاع ملحوظ في اعتداءات المستوطنين، اذ شهد العام ٢٠٢٥ ارتفاعا حادا في عدد الاعتداءات الخطيرة، التي وصفها تقرير القيادة الوسطى بالأرهاب اليهودي، نحو ١٢٨ اعتداء مقارنة بـ ٨٣ اعتداء العام ٢٠٢٤ و٥٤ اعتداء العام ٢٠٢٣، اي بزيادة تجاوزت ٥٠٪.
تعكس حادثة تل استمراراً لموجة تصعيد أوسع، إذ تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن عنف المستوطنين سجل أعلى معدل يومي منذ بدء التوثيق عام 2006 . ففي مايو 2026 وحده، نفذ المستوطنون أكثر من 50 هجمة أسفرت عن ضحايا أو أضرار في الممتلكات.
يأتي هذا التصعيد في سياق سياسي إسرائيلي عدواني يهدف، حسب محللين، إلى "السيطرة على الضفة الغربية وتكريس الوجود الاستيطاني" وحسم الصراع في الضفة الغربية بعد ان أوكلت مهمة الحسم للمستوطنين بمساعدة الجيش لهم. ومباشرة بعد الحادثة صدرت أوامر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتنفيذ "عملية واسعة" في القرى الفلسطينية التي وصفها بـ"بؤر الإرهاب"، إضافة إلى مصادرة السلاح وسحب تصاريح العمل، وخطوة أوسع بتشريع بؤر استيطانية جديدة. هذا المسار يهدد بإشعال جبهة جديدة ومفتوحة في الضفة الغربية، في وقت حذرت فيه مصادر أمنية إسرائيلية من أن "سلسلة الأحداث الأخيرة قد تشعل المنطقة وتؤدي إلى انفجار شامل".
تأتي حادثة تل عشية انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر 2026، مما يجعل تداعياتها السياسية محورية. وقد كشف استطلاع للرأي أجرته صحيفة "معاريف" بعد الحادثة مباشرة عن تراجع حزب الليكود بزعامة نتنياهو إلى 20 مقعداً، بانخفاض مقعدين، وهو أكبر تراجع له منذ يونيو 2025 .
يعكس هذا التراجع عدة عوامل:
· فشل أمني واستراتيجي: استغلت المعارضة الحادثة لتوجيه نقد حاد للحكومة، متهماً إياها بتحويل الضفة الغربية إلى "برميل بارود" عبر دعم المستوطنين المتطرفين، وبرز ذلك في تصريحات زعيم حزب "الديمقراطيون" يائير غولان، وتصريحات وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان الأسبق بوجي يعلون.
· تأثير في قاعدة الائتلاف: أظهر الاستطلاع نفسه أن الأحزاب اليمينية المتطرفة في الائتلاف، مثل "عوتسما يهوديت" (بزعامة بن غفير) و"الصهيونية الدينية" (بزعامة سموتريتش)، قد ترتفع مقاعدها إلى 8 و5 على التوالي. هذا التوجه يشير إلى أن الحادثة قد تعزز شعبية الأحزاب المتشددة على حساب الليكود نفسه، حيث يرى الناخبون هذه الأحزاب أكثر تمثيلاً للرد القاسي الذي طالبوا به، مثل دعوة بن غفير إلى تدمير منازل "الإرهابيين" وتهجير القرى، وسموتريتش إلى إقامة مستوطنة جديدة مكان الحادثة.
الاستطلاع أظهر أيضاً أن كتلة المعارضة تحافظ على أغلبيتها بـ 61 مقعداً مقابل 49 للائتلاف. كما أن نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت يتقدمان على نتنياهو في سباق رئاسة الوزراء. هذا يعكس أزمة ثقة أعمق لا تتعلق بحادثة واحدة، بل بتراكم إخفاقات سياسية وأمنية، حيث يعتبر 60% من الإسرائيليين أن هناك "خطراً حقيقياً" من حرب أهلية، ويتشاءم 49% من المستقبل.
تُظهر حادثة قرية تل كيف يمكن لحادثة أمنية واحدة أن تكشف هشاشة الوضع الميداني والسياسي معاً. فمن جهة، تسارع وتيرة التدهور الأمني في الضفة الغربية، مدفوعة بسياسات استيطانية وعقاب جماعي تهدد بمواجهة أوسع. ومن جهة أخرى، تعكس التداعيات الانتخابية المباشرة حالة من التفتت السياسي، حيث قد لا تعود الحادثة بالنفع على الليكود بقدر ما تعزز شرعية الأحزاب الأكثر تطرفاً، مما يضع نتنياهو في مواجهة مع قاعدته اليمينية، دون تحسين صورته كـ"السيد الأمن" لدى الجمهور الإسرائيلي الأوسع، كما تشير نتائج استطلاعات الرأي.
* باحث متخصص في دراسات الأمن القومي الفلسطيني والاسرائيلي



