حين يُنصفهم الزمن: من وداع أبو عمار إلى قراءة هادئة في عهد أبو مازن

د. محمد ابراهيم محمد منصور

مارس 4, 2026 - 17:16
حين يُنصفهم الزمن: من وداع أبو عمار إلى قراءة هادئة في عهد أبو مازن

حين يُنصفهم الزمن: من وداع أبو عمار إلى قراءة هادئة في عهد أبو مازن

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، تتقدّم العاطفة الصفوف، ويصير الحنين لغةً عامة، وتصبح الذاكرة انتقائية بطبعها. هكذا كان المشهد يوم رحيل ياسر عرفات، الذي عرفه الناس باسم “أبو عمار”: رمزٌ تجاوز حدود التنظيم والسياسة ليغدو عنوانًا لمرحلة كاملة من الكفاح الوطني. ومع مرور الزمن، تتبدّل الأسئلة، وتتغيّر زوايا النظر، فنجد أنفسنا أمام تجربةٍ أخرى قادها محمود عباس، “أبو مازن”، في سياق مختلف، وأدوات مختلفة، وتحديات ربما كانت أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للشعارات.

ليست الغاية من المقارنة المفاضلة بين رجلين، ولا اختزال مسيرة وطن في شخص. بل المقصود قراءة مرحلتين بميزانٍ أبرد، بعيدًا عن حرارة اللحظة. فالتاريخ لا يُنصف في ساعة الحداد، ولا في أوج الخلاف؛ إنما حين يهدأ الغبار، وتتضح حدود الممكن من المستحيل، والخيارات من الأوهام.

من الرمز إلى المؤسسة: تحوّل في طبيعة المرحلة

مثّل “أبو عمار” زمن الرمز الجامع. كان الصوت المرتفع ضرورةً في لحظةٍ احتاجت إلى تثبيت الهوية الوطنية في وجه محاولات الطمس، وإلى إعادة تعريف القضية الفلسطينية على الخريطة الدولية. في تلك المرحلة، كان الحضور الشخصي الكاريزمي جزءًا من أدوات الصراع، وكان الالتفاف الشعبي عنصرًا حاسمًا في تثبيت الشرعية الوطنية.

لكن انتقال القيادة إلى “أبو مازن” جاء في زمنٍ مختلف: ما بعد الانتفاضات الكبرى، وما بعد تحولات إقليمية عميقة، وفي ظل نظام دولي تغيّرت أولوياته. لم تعد اللغة وحدها تكفي، ولم يعد الرمز بذاته قادرًا على إدارة يوميات سلطةٍ قائمة، لها مؤسسات وموظفون وموازنات وعلاقات دولية معقّدة. هنا بدأ الرهان على مسار آخر: تثبيت الكيان السياسي، وتعزيز الاعتراف الدولي، وبناء مؤسسات يمكنها أن تصمد أمام تقلبات السياسة.

كان هذا التحوّل صعبًا على الوعي العام؛ لأن الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة – ولو كانت دولةً قيد التحقق – يعني قبول إيقاعٍ أبطأ، وأدواتٍ أقل إثارةً للعاطفة، وأكثر احتكامًا للحسابات الدقيقة.

خيار السياسة الهادئة: بين النقد والضرورة

لم يكن “أبو مازن” خطيب ساحات ولا صانع موجات شعبوية. كان أقرب إلى رجل تفاوض، يراهن على القانون الدولي، وعلى تراكم الخطوات الصغيرة التي قد لا تُرى نتائجها فورًا. هذا الخيار عرّضه لنقدٍ دائم، لأن المزاج العام – في أزمنة الانسداد – يميل إلى الخطاب العالي، ويبحث عن مواقف حاسمة وسريعة.

غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل كانت البدائل أقل كلفة؟
في بيئةٍ تتكاثر فيها الضغوط، داخليًا وخارجيًا، يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الحضور السياسي معركةً يومية. إن بقاء القضية الفلسطينية حاضرةً في المحافل الدولية، واستمرار الاعتراف الرسمي بالتمثيل السياسي، لم يكن أمرًا تلقائيًا، بل نتيجة عملٍ متواصل، دبلوماسي وقانوني، في عالمٍ تتغير أولوياته بسرعة.

السياسة الهادئة لا تُرضي دائمًا التوق إلى الإنجاز الفوري، لكنها تسعى إلى منع الانهيار الشامل. أحيانًا لا يكون الهدف تحقيق قفزةٍ كبيرة، بل منع التراجع خطوةً أخطر. وفي هذا الإطار، يمكن فهم كثير من القرارات التي بدت للبعض متحفظة أو بطيئة؛ إذ كانت، في منظور أصحابها، محاولةً لحماية ما تبقّى من كيان سياسي قابل للاستمرار.

الانقسام: المعضلة الأكبر من أي قيادة

من غير الممكن قراءة عهدٍ كامل بمعزل عن السياق الداخلي. فالانقسام السياسي لم يكن حدثًا عابرًا، بل زلزالًا أعاد تشكيل المشهد الوطني. لقد استنزف الطاقات، وأضعف الجبهة الداخلية، وأربك القرار الوطني، وجعل أي مشروعٍ سياسي – مهما كانت وجاهته – عرضةً للتشكيك أو العرقلة.

في ظل واقعٍ منقسم، يصبح تحقيق الأهداف الكبرى أكثر تعقيدًا. كيف يمكن السعي إلى دولةٍ موحدة بأدواتٍ سياسية منقسمة؟ وكيف يمكن مخاطبة العالم بصوتٍ واحد بينما الداخل يتحدث بأصوات متعددة؟ هذه الأسئلة لم تكن عبئًا على شخصٍ بعينه، بل على مجمل البنية السياسية الفلسطينية.

من هنا، تبدو المعضلة أوسع من تقييم فردي؛ إنها أزمة بنيوية تتجاوز الأشخاص. وقد يكون من الظلم تحميل قيادةٍ واحدةٍ نتائج سياقٍ كاملٍ من التعقيد والتشظي.

بين الحلم والقدرة: حدود الممكن السياسي

لطالما كان الحلم الفلسطيني واضحًا: دولة كاملة السيادة، عاصمتها القدس، وحل عادل لقضية اللاجئين. غير أن السياسة لا تتحرك فقط وفق الأحلام، بل ضمن موازين قوى ومعادلات دولية وإقليمية. وبين الحلم والقدرة، مساحةٌ من الواقعية المؤلمة.

في هذا الإطار، يمكن قراءة تجربة “أبو مازن” باعتبارها محاولة لإدارة الممكن، لا لتحقيق المثال الكامل دفعةً واحدة. قد يُؤخذ عليه أنه لم يغامر بما يكفي، أو أنه لم ينجح في تحقيق اختراق تاريخي. لكن يمكن بالمقابل القول إن المغامرة في بيئةٍ مختلّة قد تقود إلى خسارة ما هو قائم أصلًا.

إن الحفاظ على مؤسسات قائمة، وعلى حضورٍ سياسي معترف به دوليًا، وعلى حد أدنى من الاستقرار الإداري، كان خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى إبقاء الباب مفتوحًا أمام المستقبل. فالكيانات التي تنهار بالكامل يصعب إعادة بنائها، أما التي تصمد – ولو بحدود – فتبقى قابلة للتطوير.

النظرة بعد انطفاء الضجيج

التاريخ، بطبيعته، يعيد ترتيب الأولويات بعد أن يهدأ الجدل. ما يبدو اليوم موضع انقسام، قد يُقرأ غدًا في سياقٍ أوسع. وما يُنتقد في لحظةٍ محتدمة، قد يُفهم لاحقًا باعتباره اجتهادًا ضمن شروط قاسية.

حين رحل “أبو عمار”، ارتفعت المشاعر، وتدفّقت الذاكرة. وربما سيأتي يومٌ يُعاد فيه تقييم عهد “أبو مازن” بهدوءٍ أكبر، بعيدًا عن الاستقطاب اللحظي. عندها قد يتبيّن أن جزءًا من مهمته كان الحفاظ على الاستمرارية، ومنع الفراغ، وإبقاء فلسطين عنوانًا سياسيًا حاضرًا، لا مجرد ذكرى أو شعار.

ما بين الشخص والفكرة

يبقى الأهم أن القضية الفلسطينية أكبر من الأشخاص، وأعمق من الأسماء. القادة يأتون ويذهبون، لكن الفكرة تبقى، والهوية تبقى، والحق يبقى. غير أن قراءة التجارب القيادية بإنصاف تُسهم في نضج الوعي السياسي، وتحرّر النقاش من ثنائية التقديس أو الإدانة المطلقة.

لسنا بحاجة إلى كتابة سِيَرٍ ملائكية، ولا إلى محاكماتٍ آنية. نحن بحاجة إلى فهمٍ متوازن: أن نُقرّ بما تحقق، وأن نُراجع ما لم يتحقق، وأن نضع كل ذلك في سياقه الزمني والسياسي.

خاتمة: ميزان الزمن

“حين يُنصفهم الزمن” ليست عبارةً إنشائية، بل دعوة إلى التمهّل. فالتاريخ لا يُقاس بوهج اللحظة، بل بقدرته على الصمود في وجه السنوات. وبين وداعٍ بدموعٍ حارّة لرمزٍ تاريخي، وقراءةٍ هادئة لعهدٍ طويلٍ مثقل بالتحديات، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف نحاكم قياداتنا؟ بالعاطفة وحدها، أم بميزان الزمن؟

ربما لا تكون الإجابات جاهزة اليوم. لكن الأكيد أن الزمن، حين يمرّ، يكشف الصورة الأوسع. وعندها فقط، يمكن أن نفهم أن إدارة واقعٍ ممزق، تحت ضغوطٍ متشابكة، لم تكن مهمةً عادية، بل اختبارًا يوميًا للثبات والصبر.

رحم الله من رحل، وحفظ الله الوطن وأهله. ففلسطين، في نهاية المطاف، هي الباقية… أما نحن، فأبناء مرحلةٍ سيحاكمها التاريخ كما حاكم من قبلها مراحل ورجالًا.
د. محمد ابراهيم محمد منصور