القدس في المقدمة: حين يصبح المنهاج ساحة اشتباك
أمين الحاج
أمين الحاج
نشرت وزارة التربية بالأمس توضيحاً قالت فيه إن الاحتلال يجري تغييرات على المناهج في القدس، عاصمة الدولة الفلسطينية وكجزء من حربها على المدينة، الامر الذي يفتح ملف التعليم في القدس، لان ما يجري في مدارس القدس ليس خلافا تقنيا على منهاج، بل هو فصل جديد من مشروع اعادة هندسة الوعي الفلسطيني، فالاحتلال لا يضغط على المنهاج او الكتب لأنها ورق، بل لأنها تاريخ وذاكرة، فلا يحارب درس التاريخ لأنه مجرد معلومات، بل لأنه تعريف للذات، ولهذا بالضبط تتحول الصفوف الدراسية الى خطوط تماس "ناعمة"، والطفولة المقدسية الى ساحة اختبار يومي لسياسات المحو والقولبة.
خلال الأعوام الاخيرة، صعد الاحتلال تدخله المباشر في العملية التعليمية، سواء عبر فرض مناهج معدلة كليا، واشتراط التمويل والترخيص بتبنيها، واغلاق مدارس، وتهديد اخرى، وابتزاز المقدسيين، والهدف انتاج جيل منزوع الرواية، مقطوع الجذور، يتعامل مع المدينة كجغرافيا بلا تاريخ، ومع نفسه كفرد بلا أي سياق جماعي، وهذا ليس جديدا في سياق التجارب الاستعمارية، لكن خصوصية القدس تكمن في الجمع بين القسر القانوني، والتطويع الاقتصادي، والتفكيك الاجتماعي والثقافي في ان واحد.
حتى اللحظة لا زال الرد الفلسطيني الرسمي محصورا ببيانات نفي او تنصل من المسؤولية، او احيانا تصريحات الاحتجاج، وانتظار الفعل الدولي الضاغط الذي لم يأت بثماره يوما، وحتى في احلك اللحظات، عندما كانت غزة تجوّع وتباد، حتى بات التعويل عليه سلاح عجز، لا مكمن قوة،
واذا كانت المواجهة المباشرة مكلفة، وبابها مغلق، او اغلقناه تماما، لأنه قد يقود الى اغلاق شامل للمؤسسات التعليمية، فالبديل ليس الاستسلام، بل اللعب الذكي على المساحات الرمادية، وكثيرة هي الخيارات القابلة للتطبيق، على اختلاف الكلف والنتائج، لكنها تحتاج الى ارادة وموقف وشجاعة.
اولها بناء منهاج ظل، من خلال انتاج كم من المواد الرقمية والمطبوعة القابلة للتداول المادي والرقمي، اما على شكل كراسات تاريخ، وقصص قصيرة عن القدس، وفيديوهات مسجلة، ومحتوى تفاعلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الامر الذي يغير الواقع المفروض، فحتى لو التزمت المدارس بما هو مفروض عليها رسميا، لكنها لازالت قادرة على انتاج الوعي الحقيقي خارج جدرانها، ما دام الامر غير ممكن داخلها، او من خلال مناهج وطنية مسائية، بحيث يدرس الطفل الحد الادنى المطلوب لفتح الابواب، ثم يعود ليبني هويته في نواد ثقافية وحصص اثراء وانشطة مجتمعية، بالطبع تلك ليست حلول مثالية لكنها افضل من الفراغ التربوي الكامل.
ثم هناك خيار تفكيك المنهاج الوطني واعادة ادماجه داخل المنهاج الحالي، فالتاريخ مثلا يمكن ان يدمج من خلال نصوص القراءة والتعبير، وكذلك الجغرافيا عبر الخرائط واسماء القرى، اما الهوية فيسهل التعبير عنها عبر التربية والفنون، فيحصل الطالب على ذات المعرفة التي صنفت كممنوعة، او اللجوء الى خيارات التعليم اللامركزي، والذي هو اشبه بالتعليم المنزلي، فتجد معلما يتنقل بين مجموعات صغيرة بمحتوى وطني كامل، وهذا احد الخيارات التي استخدمت بفعالية خلال الانتفاضة الاولى، والتي حالت دون انهيار نظام التعليم كليا، وحفظت للجيل هويته ومستقبله، او من خلال توسيع دور المراكز الثقافية والنوادي الشبابية والتعليم المساند، بوصفها اطر تربوية وطنية تؤدي وظيفة المدرسة، حين تعجز المدرسة الرسمية عن ذلك.
هذه ليست بطولات كبيرة، بل مقاومة يومية سلمية وشعبية، صامتة، تشبه زراعة الحقول تحت عيون الجنود. نعم، قد تكون متعبة، وبالتأكيد مكلفة، لكنها تراكمية وحتمية النتائج. وهذا اضعف الايمان واقل الواجب تجاه القدس، بقيمتها ومكانتها، وكل يوم تأخير في التحرك يعني اننا نوقع، بصمت، على فصل جديد من مشروع محو طويل الأمد.



