بيع العقارات في أريحا للمستوطنين: مخالفات إجراءات التملك والتغرير بالمالكين تفتح الباب للطعن وفسخ عقود البيع
إعداد وتحليل قانوني: المحامي علي أبو حبلة – باحث في القانون الدولي
بيع العقارات في أريحا للمستوطنين: مخالفات إجراءات التملك والتغرير بالمالكين تفتح الباب للطعن وفسخ عقود البيع
إعداد وتحليل قانوني: المحامي علي أبو حبلة – باحث في القانون الدولي
تثير قضية المنازل الثمانية التي استولى عليها مستوطنون في منطقة الديوك التحتا غرب مدينة أريحا جملة من الإشكاليات القانونية المتعلقة بصحة التصرفات العقارية، وشروط انتقال الملكية، والجهة المختصة بإجراء معاملات البيع والتسجيل، ومدى الالتزام بالتشريعات الفلسطينية النافذة والاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ولا سيما ما يتعلق بسجلات الأراضي وصلاحيات تسجيل العقارات ونقل ملكيتها.
وبحسب المعلومات المنشورة عن القضية، فإن عدداً من السماسرة والوسطاء أوقفوا للتحقيق في شبهات تتعلق بتسريب ثمانية منازل للمستوطنين، بعد إيهام أصحابها بأن المشتري شخصية فلسطينية من داخل الخط الأخضر، وأن عملية البيع تهدف إلى إنقاذ العقارات من أوامر الهدم الإسرائيلية.
وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإننا أمام تصرفات تستوجب إخضاع عقود البيع والوكالات والمستندات المرتبطة بها لفحص قانوني شامل، والتحقق من سلامة الإجراءات والشروط الموضوعية والشكلية التي يتطلبها القانون، وصولاً إلى الطعن فيها وطلب فسخها أو الحكم ببطلانها بحسب طبيعة المخالفة.
أولاً: ضرورة الحصول على إذن شراء مسبق من مجلس الوزراء لحملة هوية عام 1948
من المسائل القانونية الجوهرية في هذه القضية أن بيع العقارات لأشخاص يحملون الهوية الإسرائيلية، بمن فيهم الفلسطينيون من أبناء مناطق عام 1948، يخضع لإجراءات خاصة تتعلق بإذن الشراء والموافقات الرسمية.
فوفقاً للإجراءات المنشورة على الموقع الرسمي لسلطة الأراضي الفلسطينية، يتوجب على حامل هوية عام 1948 تقديم طلب إذن شراء، وإرفاق سند تسجيل العقار وصورة الهوية وجواز السفر والوثائق المطلوبة، ثم يحال الملف إلى الجهات الأمنية المختصة للحصول على الموافقات، قبل رفعه إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار بشأنه.
وبالتالي، فإن مجرد القول إن المشتري فلسطيني من داخل الخط الأخضر لا يعفي من استكمال الإجراءات القانونية والحصول على إذن الشراء المسبق متى كان مطلوباً وفق تصنيف العقار وطبيعة المعاملة.
وهنا يبرز سؤال قانوني أساسي: هل حصل المشترون المفترضون على إذن شراء أصولي صادر عن مجلس الوزراء الفلسطيني؟ وهل جرى تقديم طلبات رسمية لدى سلطة الأراضي؟ وهل صدرت الموافقات اللازمة قبل إبرام التصرفات أو استكمال إجراءات نقل الملكية؟
إن غياب الإذن المطلوب، متى كان واجباً قانوناً، يشكل مخالفة جوهرية تستوجب وقف المعاملة وفحص آثارها القانونية، ولا يجوز تجاوزها باتفاقات خاصة أو وكالات أو عقود عرفية.
ثانياً: وجوب إجراء البيع أمام مأمور تسجيل الأراضي
إذا كانت العقارات مسجلة في سجلات الطابو، فإن نقل ملكيتها لا يتحقق بمجرد توقيع اتفاق بيع عادي أو تسليم الأموال أو تنظيم ورقة خارج دائرة التسجيل.
بل يتعين استكمال معاملة البيع وفق الإجراءات المعتمدة لدى دائرة تسجيل الأراضي، بما يشمل التحقق من سند الملكية، وصفة البائع، وأهلية المشتري، والوكالات والتفويضات، والقيود والحقوق المترتبة على العقار، ثم استماع الفراغ والتسجيل وفق الأصول.
وتؤكد إجراءات سلطة الأراضي أن معاملات البيع تتم بحضور أطراف العقد أمام الموظف المختص، أو بواسطة وكالات مستوفية للشروط القانونية.
كما أن البيع بواسطة الوكالة يستوجب التحقق من صحة الوكالة ونطاقها وسريانها، واستكمال متطلبات الإعلان الصحفي المقررة في الحالات التي تتطلب ذلك.
ولا بد من الإشارة إلى أن نشر الإعلان في الصحف ليس شرطاً عاماً لكل عملية بيع مباشرة أمام مأمور التسجيل؛ وإنما يرد في إجراءات معينة، منها المعاملات التي تتم بواسطة الوكالات، وكذلك بعض إجراءات التسجيل الجديد.
ثالثاً: الإعلان الصحفي وحق الاعتراض
إن الإعلان الصحفي في المعاملات العقارية ليس إجراءً شكلياً بلا قيمة، وإنما يمثل إحدى وسائل حماية الحقوق ومنح أصحاب المصالح والحقوق المرتبطة بالعقار فرصة الاعتراض وفق الإجراءات والمدد القانونية المقررة.
وفي معاملات التسجيل الجديد، تنص الإجراءات المنشورة لدى مجلس القضاء الأعلى وسلطة الأراضي على نشر تفاصيل طلب التسجيل في صحيفة أو صحيفتين محليتين، مع إتاحة مدة خمسة عشر يوماً للاعتراض، وفق الإجراءات الخاصة بالتسجيل الجديد.
كما تتطلب بعض معاملات البيع بالوكالة نشر بيانات الوكالة والمعاملة في الصحف المحلية، وفق المدة المحددة لنوع الوكالة والإجراء المعمول به.
وعليه، يتوجب فحص ما إذا كانت الإعلانات المطلوبة قد نشرت فعلاً، وما إذا كانت بيانات العقار والمالك والمشتري والوكالة صحيحة، وما إذا أتيحت فرصة الاعتراض لأصحاب الحقوق.
وأي تجاوز لإجراء جوهري واجب التطبيق، أو إخفاء متعمد لمعلومات مؤثرة، يستوجب بحث أثره القانوني على صحة المعاملة وإمكانية الطعن فيها.
رابعاً: إذا كانت الأرض من أملاك الدولة فلا يجوز التصرف بها كملكية خاصة
تزداد خطورة القضية إذا ثبت أن العقار أو الأرض المقامة عليها المباني من أملاك الدولة.
فقد أكدت سلطة الأراضي، وفق بيانها بشأن القضية، أن القطعة رقم (14) من الحوض رقم (6) في منطقة الديوك التحتا هي من أملاك الدولة، بينما القطعة رقم (24) تعود ملكيتها إلى أصحابها التاريخيين بموجب تسجيل سابق لعام 1967.
وهذا التمييز يترتب عليه أثر قانوني جوهري.
فالأرض الحكومية لا يجوز للأفراد أو السماسرة التصرف بها بالبيع أو نقل ملكيتها باعتبارها ملكية خاصة، ولا ينشأ عن عقد صادر عن شخص لا يملك الصفة أو التفويض القانوني حق صحيح في مواجهة الدولة.
كما أن التصرف بأملاك الدولة يستوجب الرجوع إلى السجلات الرسمية وقرارات التخصيص والتأجير والتصرف الصادرة عن الجهات المختصة، والتحقق من وجود أي موافقة قانونية تخول التصرف بالعقار.
ومن ثم، فإن أي عقد بيع خاص يتعلق بأرض حكومية، دون سند قانوني أو موافقة صادرة عن الجهة صاحبة الاختصاص، يكون محل طعن جدي، وقد يترتب على ثبوت انعدام الصفة أو مخالفة القواعد الآمرة الحكم ببطلانه.
خامساً: اتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وسجلات الأراضي
لا يمكن بحث الوضع القانوني لعقارات منطقة الديوك التحتا بمعزل عن الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وبخاصة الاتفاق الانتقالي بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة لعام 1995، المعروف باتفاق أوسلو الثاني، وملحقه الثالث المتعلق بالشؤون المدنية.
فقد تناولت المادة (22) من الملحق الثالث موضوع تسجيل الأراضي، ونصت على نقل الصلاحيات والمسؤوليات المتعلقة بتسجيل الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الجانب الفلسطيني، بما يشمل تسجيل المعاملات العقارية والتسجيل الأول وإدارة دوائر تسجيل الأراضي.
كما تناولت المادة ذاتها الترتيبات الخاصة بالمنطقة المصنفة (C)، ونصت على انتقال الصلاحيات والمسؤوليات المتعلقة بهذا المجال تدريجياً وفق مراحل إعادة الانتشار.
وبالتالي، فإن تصنيف الأرض ضمن المنطقة (C) لا يعني سقوط الملكية الخاصة، ولا يمنح أي شخص حق التصرف في العقارات دون سند قانوني، كما لا يجعل وضع اليد المادي أو الحماية العسكرية دليلاً على انتقال الملكية.
ويقتضي ذلك الرجوع إلى السجل العقاري المختص، والقيود التاريخية، والمستندات الرسمية، والتحقق من الجهة التي تملك الاختصاص القانوني في تسجيل أي معاملة أو اعتمادها.
سادساً: التغرير والتدليس وأثرهما في عقود البيع
إلى جانب المخالفات الإجرائية المحتملة، تبرز مسألة الرضا التعاقدي، وهي من أهم أركان التصرف القانوني.
فإذا ثبت أن المالكين أقدموا على البيع نتيجة إيهامهم بأن المشتري فلسطيني، وأن الغاية من البيع حمايتهم من الهدم، بينما كانت الغاية الحقيقية نقل العقارات إلى مستوطنين أو جهات تعمل لمصلحتهم، فإن ذلك يستوجب بحث انطباق أحكام التغرير والتدليس المنصوص عليها في القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976، المعمول به في الضفة الغربية.
فالتغرير الذي يحمل المتعاقد على الرضا بما لم يكن ليرضى به لولاه، متى توافرت شروطه القانونية، يرتب حقاً في طلب فسخ العقد وفق الأحكام المنظمة له، مع مراعاة شروط الغبن الفاحش وأثر تدخل الغير وعلم الطرف الآخر بالتغرير.
كما أن تقديم بيانات غير صحيحة بشأن هوية المشتري أو طبيعة الصفقة أو الغاية منها، أو إخفاء وقائع جوهرية عن المالكين، قد يشكل أساساً للطعن في صحة الرضا، فضلاً عن احتمال قيام المسؤولية الجزائية إذا توافرت أركان الاحتيال أو التزوير.
ومن المهم قانوناً التمييز بين العقد الباطل والعقد القابل للفسخ؛ فالبطلان يرتبط بتخلف ركن أو شرط جوهري أو مخالفة قانونية تستوجب البطلان، بينما يكون الفسخ جزاءً على إخلال أو سبب قانوني يجيزه. وتحدد المحكمة المختصة الوصف القانوني الصحيح لكل عقد وفق المستندات والوقائع.
سابعاً: الإجراءات القانونية المطلوبة
إن معالجة ملف أريحا تستوجب اتخاذ إجراءات متوازية، وعدم الاكتفاء بالتحقيق مع السماسرة والوسطاء، وذلك من خلال:
استخراج قيود الطابو التاريخية والحديثة للقطعتين (14) و(24) من الحوض رقم (6)، والتحقق من أصحاب الملكية والحصص والحقوق المسجلة.
طلب نسخ مصدقة عن جميع عقود البيع والوكالات والتفويضات والمحررات التي استند إليها الوسطاء أو المشترون في ادعاء انتقال الملكية.
التحقق من وجود إذن شراء مسبق صادر عن مجلس الوزراء للمشترين من حملة هوية عام 1948، متى كان الإذن واجباً وفق الإجراءات النافذة.
التحقق من إجراء معاملات البيع أمام مأمور تسجيل الأراضي، ومدى استكمال إجراءات استماع الفراغ والتسجيل.
فحص الإعلانات الصحفية والوكالات المنشورة، والتحقق من استيفاء المدد والإجراءات القانونية المقررة لكل نوع من المعاملات.
التقدم بدعاوى قضائية لطلب فسخ العقود المشوبة بالتغرير والتدليس، أو الحكم ببطلان التصرفات التي يثبت انعدام أساسها القانوني أو مخالفتها للقواعد الآمرة.
طلب وقف أي إجراءات تسجيل أو نقل ملكية أو تصرف لاحق، واتخاذ التدابير التحفظية المناسبة لحماية حقوق المالكين وأملاك الدولة.
مطالبة الجهات المختصة بحصر المستفيد الحقيقي من الصفقات، وتتبع مصادر الأموال والوكالات والوسطاء، والتحقيق في أي تزوير أو احتيال يثبت بالأدلة.
الخلاصة والرأي القانوني
إن ملف المنازل الثمانية في أريحا لا يجوز اختزاله في مسألة بيع عقارات أو خلاف بين بائع ومشترٍ، بل يستوجب تدقيقاً قانونياً شاملاً في سلامة إجراءات البيع، وصفة الأطراف، وهوية المشتري، وإذن الشراء، وصحة الوكالات، والتسجيل العقاري، ومصدر الملكية، ومدى احترام الإجراءات القانونية المتعلقة بأملاك الدولة.
فإذا ثبت أن عمليات البيع تمت دون الحصول على إذن الشراء المسبق المطلوب، أو خارج دائرة التسجيل المختصة، أو استناداً إلى وكالات غير صحيحة، أو دون استكمال إجراءات جوهرية واجبة، أو أن العقارات من أملاك الدولة وجرى التصرف بها من غير ذي صفة، فإن هذه العيوب تشكل أسباباً جدية للطعن في التصرفات، وطلب الحكم ببطلان ما كان باطلاً منها أو فسخ العقود التي تتوافر فيها أسباب الفسخ.
وإذا ثبت كذلك أن موافقة أصحاب المنازل انتزعت عن طريق الخداع والتضليل بشأن هوية المشتري والغاية الحقيقية من الصفقة، فإن ذلك يعزز الأساس القانوني لطلب فسخ العقود وإزالة آثارها، وفقاً لما تقرره المحكمة المختصة.
إن أي ثغرة جوهرية في إجراءات البيع، سواء تعلقت بالشكل أو الموضوع أو الصفة أو الأهلية أو الرضا أو التسجيل أو إذن الشراء، يجب أن تخضع للفحص القضائي، ولا يجوز أن تتحول العقود والوكالات المخالفة للقانون إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على الاستيلاء على الأرض الفلسطينية.
والأصل أن الملكية لا تنتقل بالاحتيال أو التضليل أو فرض الأمر الواقع، وأن حماية الحقوق العقارية تستوجب تفعيل القضاء، وتحصين السجلات الرسمية، ومساءلة كل من يثبت تورطه، واستعادة الحقوق إلى أصحابها وفق أحكام القانون.
فالأرض ليست مجرد عقار قابل للتداول، وإنما حق ملكية تحميه القوانين والسجلات والاتفاقات، ولا يجوز المساس به إلا وفق الأصول القانونية الصريحة.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
تنويه: يعبر هذا التحليل عن رأي كاتبه في ضوء المعلومات والبيانات المنشورة، ولا يمثل حكماً قضائياً مسبقاً على أطراف القضية أو عقودها.
المراجع القانونية والتوثيقية:
القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976، أحكام التغرير والغبن.
قانون إيجار وبيع الأموال غير المنقولة من الأجانب رقم (40) لسنة 1953 وتعديلاته.
الإجراءات الرسمية لسلطة الأراضي الفلسطينية بشأن أذونات الشراء لحملة هوية عام 1948.
إجراءات سلطة الأراضي بشأن معاملات البيع والتسجيل والوكالات.
اتفاق أوسلو الثاني لعام 1995، الملحق الثالث، المادة (22) المتعلقة بتسجيل الأراضي.
قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960، الأحكام المتعلقة بالاحتيال والتزوير.



