البيئة الفلسطينية ضحية الحرب والاستيطان.. غزة تحت الركام والضفة مكب للنفايات الخطرة

نوفمبر 7, 2026 - 13:32
البيئة الفلسطينية ضحية الحرب والاستيطان.. غزة تحت الركام والضفة مكب للنفايات الخطرة

البيئة الفلسطينية ضحية الحرب والاستيطان.. غزة تحت الركام والضفة مكب للنفايات الخطرة
المحامي علي أبوحبلة – باحث في القانون الدولي
في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 56/4 الصادر في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2001. ويصادف هذا اليوم في عام 2026 يوم الجمعة، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أخطر ضحايا الحروب، وهي البيئة التي تتعرض للتدمير والتلوث، وتظل آثار الاعتداء عليها ممتدة لعقود، متجاوزة حدود المكان والزمان.
وتقدم الحالة الفلسطينية نموذجاً بالغ الخطورة لهذه الكارثة؛ فبينما تتعرض غزة لدمار واسع طال الإنسان والعمران ومقومات الحياة، تواجه الضفة الغربية تحديات بيئية متراكمة بفعل الاستيطان والتلوث الصناعي ونقل النفايات الخطرة، بما يجعل البيئة الفلسطينية ضحية مزدوجة للحرب وسياسات الاحتلال.
في قطاع غزة، لم تقتصر آثار العمليات العسكرية على تدمير المنازل والمنشآت، بل امتدت إلى المياه والهواء والتربة والأراضي الزراعية وشبكات الصرف الصحي ومنظومة إدارة النفايات. وتشير بيانات مركز الميزان لحقوق الإنسان إلى تراجع استهلاك الفرد من المياه إلى ما بين ثلاثة وخمسة لترات يومياً، وعدم مطابقة نحو 97% من المياه المتاحة للمعايير الصحية، فضلاً عن خروج نسبة كبيرة من مرافق المياه والصرف الصحي عن الخدمة، وتراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات في مكبات عشوائية قريبة من التجمعات السكانية ومراكز إيواء النازحين.
وتتضاعف خطورة المشهد مع تضرر القطاع الزراعي. فقد أظهر تحليل مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات)، نشر في 18 آب/أغسطس 2026، أن 3% فقط من الأراضي الزراعية في غزة بقيت متاحة وغير متضررة، بما يعكس تراجع القدرة على الإنتاج الغذائي واستعادة الأمن الزراعي. وهذه ليست خسارة اقتصادية فحسب، بل تهديد مباشر للأمن الغذائي والصحي والبيئي للأجيال القادمة.
أما في الضفة الغربية، فإن الخطر لا يقل أهمية، إذ تشير تقارير أممية إلى نقل نفايات إلكترونية وخطرة من إسرائيل والمستوطنات إلى مناطق فلسطينية، وإلى وجود أنشطة لمعالجة النفايات الإلكترونية بالقرب من الآبار والأراضي الزراعية، بما يهدد المياه الجوفية والتربة والتنوع الحيوي. كما وثقت تقارير فلسطينية رسمية عمليات تهريب وإلقاء للنفايات الصناعية والخطرة، في مشهد ينذر بتحويل أجزاء من الضفة الغربية إلى ما يشبه المكب الخلفي للنفايات الخطرة، على حساب صحة المواطنين وحقهم في بيئة سليمة.
وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي في منع نقل الأعباء البيئية إلى الأراضي المحتلة، ومساءلة الجهات المتورطة، وتطبيق اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود.
المساءلة الدولية وحماية البيئة
من الناحية القانونية، تحظى البيئة الطبيعية بحماية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحظر الأضرار الواسعة والطويلة الأمد والشديدة بالبيئة الطبيعية، وتفرض احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة أثناء العمليات العسكرية.
كما تكتسب المادة 8، الفقرة 2 (ب)، البند الرابع من نظام روما الأساسي أهمية خاصة، إذ تجرّم في ظروف محددة شن هجوم مع العلم بأنه سيسبب أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية، تكون مفرطة بوضوح قياساً بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. ويظل تطبيق هذا النص مرتبطاً بإثبات عناصر الجريمة وتوافر الاختصاص القضائي للمحكمة.
إن المطلوب اليوم تحرك دولي يتجاوز بيانات الإدانة، من خلال تشكيل لجنة مستقلة لتوثيق الأضرار البيئية في غزة والضفة الغربية، وفحص آثار الأسلحة والملوثات، والتحقيق في نقل النفايات الخطرة، وحفظ الأدلة اللازمة للمساءلة القانونية. كما يتطلب الأمر إدخال المعدات والمواد اللازمة لمعالجة المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام والنفايات، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية.
إن حماية البيئة الفلسطينية ليست قضية فنية أو مطلباً إنسانياً عابراً، بل جزء من حماية الحق في الحياة والصحة والمياه والغذاء، ومن صون مقومات الوجود الفلسطيني على أرضه. فإعادة إعمار غزة لا تكتمل ببناء المنازل وحدها، كما أن حماية الضفة لا تتحقق دون وقف تحويل أراضيها إلى مواقع للتخلص من النفايات الخطرة.
إن البيئة الفلسطينية ليست ساحة مستباحة للحرب، ولا مكباً للنفايات الخطرة، وحمايتها مسؤولية قانونية وأخلاقية دولية لا تسقط بالتقادم.
المراجع التوثيقية المعتمدة
1. الأمم المتحدة: القرار 56/4 بشأن اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية. النص الرسمي للأمم المتحدة.
2. الفاو ويونوسات، 18 آب 2026: تقييم الأراضي الزراعية في قطاع غزة. التقرير الأممي.
3. لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة: تقرير الانتهاكات البيئية ونقل النفايات الخطرة إلى الضفة الغربية. التقرير الأممي.
4. سلطة جودة البيئة الفلسطينية: تقديرات النفايات المهربة إلى الضفة الغربية. الدراسة حول الوضع الجيوسياسي لإدارة النفايات في فلسطين.
5. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 8(2)(ب)(4).
المحامي علي أبوحبلة – باحث في القانون الدولي