الاحتلال في مجموعة "متاهة حمراء" للمتوكل طه

بقلم: رائد محمد الحواري

نوفمبر 6, 2026 - 09:43
الاحتلال في مجموعة "متاهة حمراء" للمتوكل طه

الاحتلال في مجموعة "متاهة حمراء" للمتوكل طه

بقلم: رائد محمد الحواري

***

بعد مجموعة "وحوش مركبة" يقدم "المتوكل طه" مجموعته "متاهة حمراء" تعزيزا للمشهد القصصي، ولتبيان حجم المأساة التي يتعرض لها الفلسطيني. المجموعة مكونة من خمسين قصة، منها ما جاء قصة قصيدة صفحة واحدة، ومنها ما جاء قصة عادية أربع صفحات وأكثر، فالتباين في حجم القصص يشير إلى أن القاص تحرر من الالتزام بطريقة تقديمها ، كما أننا نجدها متباينة الشكل، منها الواقعي، ومنها ما جاء على شكل فانتازيا، وأخرى قدمت بطريقة ساخرة، ومنها ما جاء بإيحاء رمزي، ومنها من جاء بصيغة القص الخارجي، وأخرى بصيغة أنا القاص. أما فيما يتعلق بمضمون المجموعة؛ فتتوزع على أكثر من موضوع/ فكرة، الوطني التحرري، الفساد (الثوري)، الانتهازية والوصولية، الاجتماعي، حتى أنه في القصة الأخيرة "متاهة الكلام" (يكشف) الطريقة والأسلوب والمراحل التي واكبت إصدار "متاهة حمراء" مبينا ما أراد تقديمه فيها، والطرق التي اتبعها لتكون المجموعة حاضرة بيننا وفينا. كلّ ذلك جاء بلغة سلسة وسهلة على رغم وجود (الصوت المباشر) أحيانا ـ إلا أن المجموعة تبقى سلسة ماتعة، سهلة التناول، وهذا يشير إلى أن القاص يمتلك القدرة على جذب المتلقي بما يقدمه من أدب.

ولكثرة عدد القصص سأحاول أخذ نماذج منها، وأبدأ بفاتحة المجموعة قصة "أشجاره نساء" التي يتحدث فيها القاص عن "أبي صبحي" وعلاقته بالأشجار، فقد سمى الأشجار بأسماء نسائية، فالقصة تجمع ما بين الفانتازيا والرمز والواقعية، بحيث تحولت الأشجار إلى كائنات إنسانية تتحدث وتتكلم وتتصرف كحال البشر تماما: "ولم ترفع الخروبة عينيها في وجهي خجلا لأنها تزوجته دون موافقتي" هذا ما جاء "أبو صبحي" في الحلم، فالأشجار التي زرعها بيديه يتعامل معها وكأنهن بناته، من صلبه، ويقدم صورة صوفية عن علاقة الإنسان بالشجر: "أنّ الشجرة التي تجلس تحتها وتُمَلّس عليها وتمرّر يديك على فروعها وتشمشم زهورها، تعطيك ثمراً أكثر من الشجرة المهجورة" هذا المعلومة تبدو للجاهل بالأرض وبالأشجار خرافة، غير منطقية، لكن من يتعامل مع الأشجار يعلم أن هذه حقيقة موضوعية، فالشجرة تحس بصاحبها كالخيل تماما، ومن هنا نجدها تحرص على سلامة وصحة زارعها/ صاحبها: "هذه التوتة نجلاء، كانت تفرد أوراقها فوقي، حتى لا أشعر ببردٍ أو تصلني أفعى أو عقرب" فالأشجار كائنات حميمة تعطي من يعطيها، وتخدم من يخدمها، وتحافظ على من يحافظ عليها.

يتقدم أكثر أبو صبحي في تعامله مع الأشجار التي تقدم له ما يريد ودون حاجته ليتحرك: "الشجر حَنُون، له عاطفة جيّاشة، يشعر بصاحبه، ويمتصّ حزنه، ويعطيه دفعة دافئة تخلّصه من الكآبة، اسألني أنا. حتى إن الليمونة فاطمة، تلك الفارعة زاخرة الثّمر...هل تصدّق أنها كانت تمدّ غصنها وتدنو منّي لأقطف حبّة منها، كلّما احتجت، ودون أن أطلب منها ذلك؟" اللافت في هذا المقطع أن فيه ما هو عقلي ومنطقي، فالأشجار/ الطبيعة تعد عنصر مهدئ للإنسان، لكن دنوّ الشجرة من "أبي صبحي" ليقطف ثمرها فهذا يقودنا إلى الفانتازيا/ إلى الجنة: "قطوفها دانية" وكأن "أبو صبحي" في هذا المقطع يؤكد أنه موجود ويعيش الجنّة التي أوجدها بنفسه، وبما أن الجنة فيها متعة التلاقي بين الرجل وزوجته، وهذا يستدعي عدم وجود من يعكر صفوة اللقاء بينهما، فكانت الأشجار تتصف بهذه الصفة: "أنّ الشجر يخجل مثل الآدميين! نعم إنه يخجل، ويغضّ الطرف، ولا ينظر إليك إن كنت.." إذن أبو صبحي يعيش جنة حقيقية، وفيها الكثير من (الحوار العين) لهذا ما أن يجالس واحدة حتى تخجل الأخريات ويختفين/ يغضين البصر. هذا الجنة وهذه العلاقة تم محوها من الوجود بعد أن جاء الجنود ومنعوا أبا صبحي من الوصول إلى جنته، وقاموا بشق طريق يحول دون وصوله ووصول المزارعين إلى أراضيهم، تنتهي القصة بمشهد "أبو صبحي" وهو يخاطب شجراته/ نسائه/ بناته: "أقسم بالله إني أُحبّكِ! وألقى عكّازته ونهض مثل غزالٍ يقِظ، وراح يحتضن الأشجار، ويمشي وهو يمدّ ذراعيه يمرّرها بين غصونها، ويعتذر منها، ويبكي، ويحدّثها مثل نبيٍّ مع صديقه القديم". بهذا يكون القاص قد قدم صورة عن علاقة الفلسطيني بأرضه/ بأشجاره، وصورة عن وحشية المحتل الذي يستولي على الأرض ويمنع الحياة عنها وفيها.

قصة "ترمس سلام" تتحدث القصة عن المناضل الذي لم يستطع الانصياع للواقع الجديد والتكيف مع السلطة، فماضيه كفدائي يحول دون الموافقة/ قبول هذا الواقع، كما أن طبيعته تتعارض مع الانتهازيين والانتهازية، فبعد ترفيع مساعده إلى رتبة أعلى منه، لم يعد يقدر على مواصلة الخدمة، يتم تجريده من موقعه كضابط في الأمن الوطني، ضيق الحال يدفع به إلى بيع الترمس على عربة، يتم عقد مؤتمر للقيادة أمام مقر القيادة، يقف أمام مقر المؤتمر بصفته فدائي سابق وعضو مركزي، يرى من هم كانوا تحت إمرته وهم يدخلون ويخرجون من المقر ويبدأ بنداء: ترمس ترمس.. فيأتي صوت من القاعة يقول سلام سلام" مما يستدعي تدخل رجال الأمن الذين قاموا بدفعه بفظاظة..

ما يحسب للقصة كشفها حقيقة التحولات التي حدثت في صفوف الفدائيين بعد أوسلو، فالكثير منهم قبل وباع نفسه وثورته وشعبه ووطنه مقابل أن يكون مسؤولا/ متنفذا، والقلة منهم رفض وآثر الجوع والعوز والفاقة على بيع نفسه وثورته.

في قصة "كبش العاصور" نجد الواقع المجنون، انقلاب الحقائق، فالحق أصبح باطلا، وبالباطل حقا، يتم سرقة قطيع من الماعز من قبل المستوطنين، إلا أن الكبش يستطيع الإفلات من حظيرة المستوطن والعودة إلى صاحبه، وهنا يأتي جيش الاحتلال مجللا للبحث عن الكبش (المسروق) ـ وهنا تكون المفارقة العجيبة والغريبة، تم سرقة قطيع كامل من الماعز من أصحابه الفلسطينيين ولم يتدخل الجيش، بينما عندما عاد الكبش إلى صاحبة تحرك الجيش للبحث واستعادة المفقود!؟، علما بأنه عاد وحده، ولم يقترب أي فلسطيني من المستعمرة، لأن ذلك يعني قتله مباشرة، وعندما لم يجدوا الكبش أخذ المستوطنون بحرق المركبات والبيوت والأشجار، ما حدا بالأهالي إلى مخاطبة صاحب الكبش برده إلى المستوطن السارق، لكن صاحبه كان قد قام بذبحه ودفنه..ويبدأ الجيش بالبحث عن الكبش، ويتم اعتقال صاحبه الذي هدد بهدم بيته...و"يقيم المستوطنون نصبا تذكاريا للكبش الأزرق المكحل الذي قضى غدرا على أيدي الغوييم أعداء الحياة..وما فتئ الثغاء يملأ الفضاء من العاصور إلى الساحل". بهذه الشكل الساخر تم إنهاء القصة وقفلها، فالأحداث رغم أنها حقيقية، إلا أن الفانتازيا حاضرة فيها، فحجم الظلم/ القهر/ التغوّل الذي يمارسه المستوطنون وجيش الاحتلال على الفلسطينيين أصبح وكأنه أحداث مجنونة لا يتقبلها العقل ولا المنطق، فهل يعقل يتم سرقة قطيع ولا يجد المسروق من يشتكي له أو يقف معه، بينما عندنا يعود كبشه إليه يُعامل على أنه سارق ويجب معاقبته!؟ أجزم أن مثل هذه الدولة أخذت طريقها إلى الأفول والمحو والإزالة، ولن يعود لها مكان على الأرض.

وفي قصة "محاكمة الوشق" نجد صورة أخرى للظلم الواقع على الفلسطيني، فرغم أنه يقوم بإنقاذ عائلة يهودية من الحريق، إلا أن الاحتلال ينسب ذلك الإنقاذ إلى اليهود، ويجرّم المنقذ ويحكم عليه بالسجن سبع سنوات. المثير في القصة أن زوجة القاضي تؤكد أن المتهمين هم من قاموا بإنقاذها وأطفالها من الحريق، ومع هذا يصر القاضي رب الأسرة التي حرق منزلها على حكمه وإلصاق أسباب الحريق بالفلسطينيين، وهنا تقرر الزوجة التخلص من هذا الزوج وهذه الدولة، والخروج من بلاد لا تعرف ألف باء العدالة ولا الإنسانية، لكنها تواجه هذا الوضع: "ذكرت كبريات الصحف أن المرأة أُمّ الصغار قد طلبت الطلاق من زوجها القاضي، وقررت الهجرة إلى بلدها الأصلي في أوروبا الشرقية...لكنّهم أودعوها مشفى الأمراض العصبية، بدعوى أنها صارت تهذي، وفَقَدت عقلها" هذا حال الدولة (الديمقراطية) الوحيدة في المنطقة وحال كل من يكشف حقيقتها.

أما قصة "جسر الهوّة" فتتحدث أيضا عن المحتل وكيف يكون ويتصرف ويعمل. أحداث القصة متعلقة باقتحام منزل بروفيسور فلسطيني من قبل جنود الاحتلال، يحاكم بسبع سنوات ويودع السجن، لكن المفاجأة كانت في مدير السجن الذي: "كان زميلاً للأول في جامعات باريس، ودرس الاثنان التخصُّصَ ذاتَهُ، ولم يكن يعرف أن زميله فلسطينيٌّ، مثلما لم يكن الفلسطينيُّ يعلم أن زميلَه يهوديٌّ، ويسكن في تل أبيب" رغم الزمالة والمعرفة السابقة، إلا أن مدير السجن يتصرف مع زميله على أنه مجرم، دون مراعاة لسنوات الزمالة التي جمعتهما معا، وعندما يحاول أن ينال من الفلسطيني متحدثا معه بالعبرية يرفض الكلام مؤكدا أنه لا يعرف غير العربية: "وجَّه مدير السجن حديثَهُ بالعبريّة إلى البروفيسور، فهزّ رأسه مُنْكِراً فَهْمَهُ لهذه اللغة. فتحوّل المدير إلى اللغة الفرنسية...فأجابه البروفيسور باللغة نفسها؛ أنا هنا في بلدي العربي، ولن أتحدّث إلاّ العربية، أما الفرنسية، فقد كانت...وموقعها ليس هنا، وليس الآن." اللافت في القصة أنها تكشف طبيعة المحتل بصرف النظر عن تعليمه، وظيفته، ثقافته، فهو يقوم بدوره كجندي ينفذ ما يطلب منه، متجاهلا تعليمه والثقافة التي اكتسبها، وأيضا الفلسطيني (يغير) سلوكه ولغته، فرغم معرفته الفرنسية إلا أنه يصر على استخدام لغته الأم لتبيان حقيقة المحتل، حقيقة (زميله) الذي يقوم بدور الآلة/ الماكنة ليس أكثر: "فأنت سجينٌ وأنا معتقلٌ، وكلانا يعرف معنى القيود، لكنّ واحداً منا يعرف معنى الحرية". بهذه اللغة وهذا الإصرار أكد الفلسطيني أنه متفوّق على المحتل، رغم أن (زميله) هو الآسر السجّان والمتحكم والآمر الناهي. في المقابل نجد في قصة "المجندة السمراء"

الفلسطينية التي لا تتخلى عن فلسطينيتها رغم ما تتمتع به من امتيازات. تحدثنا القصة عن المجندة المسلمة السمراء التي تخدم في جيش الاحتلال، فالقاص يكشف لنا أنها ابنة "الغزال" الجندي البدوي الذي يخدم في الجيش وتعرّف على امرأة من الضفة الغربية وتزوجها، وانجبا "حمد وريم" إذن؛ نحن أمام عائلة فلسطينية، منها من يحمل هوية (زرقاء) كمواطن إسرائيلي، ومنها من يحمل الهوية الخضراء، هوية فلسطيني الضفة وغزة. ويتم إصدار تعليمات من الجيش باقتحام بيت جدّتها لأمها في جنوب الضفة، علما بأنها كانت تزور البيت باستمرار ونشأت علاقة بينهما وبين "يوسف" أبن خالتها، ولكن أثناء حملة الاعتقال تفاجأ الجدة: "لم تستوعب الجدّةُ أن حفيدتها هي من تَدْهَم بيتها لاعتقال حفيدها، فحدّقت بوجهها، مصدومةً مستنكرةً...فتقدّمت نحوها وصفعتها بقوّة على وجهها، وزعقت: أنْ اخرجي من بيتي يا خائنة! فما كان من الضابط إلا أن أطلق النار على الجدّة، وهو لا يعي الأمر!" ترد "ريم" على فعل الضابط بهذا الشكل: "إن المجنّدة، وحين أمطر الضابطُ جدّتَها بالرصاص، فَخَرّت صريعة، انفزعت! ففتحت النارَ من بندقيّتها نحو الضابط والجنود...قبل أن يتمكّن أحدهم من تحييدها..

ربّما...وقد تكون حكاية أخرى!" فالقاص هنا يؤكد فلسطينية الفلسطيني رغم ابتعاده عنها..فأصله يرده إلى النبع الذي شرب منه، على النقيض من الصهيوني/ المحتل الذي يبقى منجرّا/ منساقا وراء أوهامه المتمثلة: كل من وما هو فلسطيني هو عدو يجب التخلص منه.

قصة "لا أحد هنا" تنتقد المجتمع الفلسطيني الذي يتحول إلى وحش عندما ينشب خلاف بين أفراده، وإلى (غير موجود/ لا أحد هنا) عندما يقدم الاحتلال على قتل الفلسطيني أو الاعتداء عليه، فالفكرة مهمة لأنها تكشف حقيقة مؤلمة وعلينا تجاوزها والتخلص منها، لكن الأهم الطريقة التي قدمت بعا القصة، فالقاص استطاع تقديم الحالتين بطريقة أدبية: "سنقتلهم ونبيدهم ونحرق بيوتهم...هيا، وينتصب آخر وهو يزعق: لن ندفنه حتى نثأر.. ونعلمهم درسا.. ويستل الثالث مسدسا من خاصرته ويلوح قائلا: جاء دورك.. أما من جاء وعلى يده دم القتيل فيوضح فائلا: لقد قتله الجيش! وعندها يصمت الجميع، ويخنع الحاضرون، ويطأطئون رؤوسهم وكأن لا أحد هنا" رغم أن القصة جاءت بصفحة ونصف الصحفة، إلا أن طريقة تقديمها تكشف المسافة التي تفصل الفلسطيني عن واقعه، فبدلا من أن يكونوا: رحماء فيما بينهم، أشداء على أعدائهم، نجدهم رحماء على  أعدائهم، أشداء على بعضهم، وهذا يقودنا إلى ما جاء في كتاب "معذبو الأرض" الأرض لفانتز فانون الذي يكشف فيه طبيعة الشعوب المحتلة، فالشعب المحتل/ المستعمر يفرغ كلّ القسوة التي يتعرض من المحتل على نفسه، فيبدو مازوشيا تجاه عدوه، ساديا على نفسه.