عقارات أريحا بين شبهات التسريب ومخططات الاستيطان.. حماية الأرض تبدأ بسيادة القانون

نوفمبر 6, 2026 - 09:40
عقارات أريحا بين شبهات التسريب ومخططات الاستيطان.. حماية الأرض تبدأ بسيادة القانون

عقارات أريحا بين شبهات التسريب ومخططات الاستيطان.. حماية الأرض تبدأ بسيادة القانون
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
تفتح واقعة استيلاء المستوطنين على مبانٍ في منطقة الديوك التحتا غرب أريحا، وما أثير حولها من ادعاءات بوجود وكالات وبيوعات أولية، ملفاً يتجاوز حدود حادثة عقارية إلى قضية وطنية وقانونية تتصل بحماية الملكية الفلسطينية ومواجهة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إحكام السيطرة على الأرض.
ووفق بيان سلطة الأراضي الفلسطينية، فإن القطعة رقم (14) من الحوض رقم (6) مصنفة أملاك دولة، بينما القطعة رقم (24) ملكية خاصة مسجلة بأسماء أصحابها التاريخيين منذ ما قبل عام 1967. كما أكدت السلطة عدم إصدار سجلات أو مخططات رسمية تخص القطعتين، وإحالة الملف إلى الجهات المختصة للتحقيق.
ومن هنا، فإن السؤال المركزي: هل هناك تسريب للعقارات؟ ومن يقف وراء أي تصرف غير قانوني إن ثبت وقوعه؟ أسئلة لا تجوز الإجابة عنها بالاتهامات الجزافية أو الشائعات، بل بالوثائق والتحقيق القضائي المستقل.
تجربة تاريخية ودروس في حماية الأرض
من واقع خبرتي المهنية في مجال الأراضي والعقارات منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، أستحضر مرحلة اعتمدنا فيها على التنسيق والتعاون مع الجهات الأردنية المختصة في حصر الأراضي ومتابعة البيوعات والتصرفات العقارية، قبل توقيع اتفاق أوسلو واتفاقية وادي عربة.
كان التحقق آنذاك يستند إلى السجلات الورقية والوكالات وحجج البيع والإرث وأصول المستندات ومطابقة التواقيع، ولم يكن ممكناً اعتماد أي ادعاء قبل استكمال التدقيق. وقد شكلت هذه المنهجية خط دفاع أساسياً عن الملكية الفلسطينية في ظل غياب قواعد البيانات الرقمية.
التشريعات الإسرائيلية وتغيير البيئة القانونية للأراضي
من أبرز التحولات التي تستوجب التوقف عندها قانون الموثقين الإسرائيلي لسنة 1976، الذي أقره الكنيست، وما ارتبط به من إجراءات وأوامر عسكرية أتاحت للموثقين الإسرائيليين توثيق التواقيع على وكالات تتعلق بمعاملات الأراضي في الضفة الغربية.
كما أصدرت سلطات الاحتلال الأمر العسكري رقم 291 لسنة 1968، الذي علّق أعمال التسوية المنصوص عليها في قانون تسوية الأراضي والمياه الأردني رقم 40 لسنة 1952، دون أن يعني ذلك إلغاء القانون ذاته. ثم جاءت أوامر عسكرية، أبرزها الأمران 811 و847، لتمديد مدة صلاحية الوكالات غير القابلة للعزل من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة، بما أتاح تأخير تسجيل بعض التصرفات العقارية لسنوات طويلة.
وهذه الإجراءات، إلى جانب تدابير أخرى تتعلق بتسجيل الشركات والعمليات العقارية، غيّرت البيئة الإجرائية للتعامل مع الأراضي، وأوجدت ثغرات ومخاطر على حقوق أصحاب الملكيات الفلسطينية، خصوصاً عندما تُستخدم الوكالات والتوثيقات خارج منظومة الرقابة المحلية.
القانون الدولي وحدود صلاحيات الاحتلال
إن المرجعية القانونية الحاكمة للأراضي الفلسطينية المحتلة لا تقوم على التشريعات الإسرائيلية الداخلية، وإنما على قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها لائحة لاهاي لعام 1907، ولا سيما المادة 43، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
وتُلزم المادة 43 من لائحة لاهاي قوة الاحتلال باحترام القوانين النافذة في الإقليم المحتل، ما لم يمنعها مانع مطلق، فيما تقيد المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة صلاحيات الاحتلال التشريعية، وتحول دون إجراء تغييرات تتجاوز الضرورات التي يقرها القانون الدولي.
وبالتالي، فإن أي تدابير تشريعية أو عسكرية تستهدف تغيير النظام القانوني للأراضي، أو تسهيل انتقال الملكية لخدمة المشروع الاستيطاني، أو تكريس واقع الضم، تثير إشكاليات جدية تتعارض مع طبيعة الاحتلال المؤقت والتزاماته الدولية. ولا تكتسب هذه التدابير الشرعية لمجرد صدورها عن الكنيست أو القائد العسكري للاحتلال.
المطلوب: تحقيق مهني ومنظومة وطنية للحماية
إن معالجة ملف الديوك التحتا تستوجب مراجعة سجلات الملكية التاريخية، والوكالات الدورية وغير الدورية، ومصادر التوثيق والتصديق، والتحقق من سلسلة التصرفات العقارية، وتحديد المسؤوليات دون استثناء أو انتقائية، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
كما تبرز الحاجة إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة ومؤمنة، ورقمنة سجلات الأراضي والوكالات، وتدقيق تاريخي وقانوني لأملاك الدولة والملكيات الخاصة، وتعزيز التعاون القانوني الفلسطيني الأردني، وتوثيق الانتهاكات ورفعها إلى المؤسسات الدولية المختصة.
خاتمة
إن حماية الأرض الفلسطينية ليست مسؤولية دائرة تسجيل أو سلطة الأراضي وحدها، بل مسؤولية وطنية ومؤسسية وقانونية متكاملة. ومن يثبت تورطه في تسريب العقارات أو التواطؤ مع الاحتلال يجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون، بعيداً عن الانتقائية والاعتبارات السياسية.
لقد علمتنا التجربة منذ ثمانينيات القرن الماضي أن الأرض تُحمى بالوثيقة الصحيحة والسجل الموثوق والتحقيق النزيه، لا بالشائعات ولا بالاتهامات المسبقة.
فالأرض ليست مجرد عقار قابل للتداول، بل حق تاريخي وركيزة من ركائز الوجود الوطني الفلسطيني، وأي تفريط بحمايتها يهدد الحقوق والسيادة والمستقبل.
المحامي علي أبو حبلة