*هل تضع صناديق الانتخابات نهاية للحرب الأميركية الإيرانية وترسم حدوداً جديدة للتقارب مع إسرائيل؟*
أبو شريف رباح
*هل تضع صناديق الانتخابات نهاية للحرب الأميركية الإيرانية وترسم حدوداً جديدة للتقارب مع إسرائيل؟*
أبو شريف رباح
5\11\2026
لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية وانتخابات الكنيست الإسرائيلي مجرد استحقاقين انتخابيين عاديين بل حملت رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود واشنطن وتل أبيب لتطال مستقبل الحروب والصراعات في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما المواجهة الأميركية الإيرانية وطبيعة العلاقات الأميركية _ الإسرائيلية وما يمكن أن تشهده المنطقة من تحولات في المرحلة المقبلة، ففي الولايات المتحدة جاءت خسارة الحزب الجمهوري للسيطرة على الكونغرس بمثابة ضربة سياسية لإدارة الرئيس دونالد ترامب في ظل تصاعد الاعتراضات الداخلية على الحرب مع إيران وتزايد كلفتها الاقتصادية وانعكاساتها على أسعار الطاقة ومعيشة الأميركيين، وفي إسرائيل لم تمنح نتائج الانتخابات بنيامين نتنياهو أغلبية برلمانية مريحة تتيح له مواصلة حكمه دون تعقيدات بعدما حصل معسكره على 53 مقعداً مقابل 48 للمعارضة بقيادة غادي آيزنكوت فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً لتصبح عملية تشكيل الحكومة رهناً بتوازنات وتحالفات معقدة.
وهنا تبرز المفارقة السياسية رئيس أميركي تلقى حزبه ضربة انتخابية بسبب الحرب، ورئيس حكومة إسرائيلية لم يتمكن معسكره من تأمين أغلبية برلمانية وكلاهما يواجه أسئلة صعبة بشأن مستقبل الحرب والسياسات الإقليمية والتحالفات القائمة، والسؤال الأهم هو هل تدفع هذه النتائج ترامب إلى البحث عن مخرج سياسي من الحرب مع إيران أم أنها قد تفتح الباب أمام تصعيد عسكري جديد لإظهار القوة وتجنب الظهور بمظهر الرئيس المنهزم الذي لم يحقق أهدافه؟ فالمعطيات تضع الإدارة الأميركية أمام مسارين متناقضين، الأول يتجه نحو التهدئة والتفاوض لتخفيف الأعباء السياسية والاقتصادية، والثاني يدفع باتجاه تشديد الضغط العسكري على طهران، خاصة مع وجود ضغوط داخل الإدارة الأميركية لاستئناف الضربات على إيران بالتزامن مع تحركات إسرائيلية تدفع باتجاه استمرار المواجهة العسكرية، وهذا يطرح احتمال أن تتحول خسارة الجمهوريين انتخابياً إلى عامل لا يحدّ من خيارات ترامب العسكرية فحسب، بل قد يدفع بعض الأطراف في إدارته إلى اعتبار التصعيد وسيلة لإظهار الحزم واستعادة الهيبة السياسية، لكن أي مواجهة جديدة لن تكون بلا أثمان سواء على مستوى الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة أو أمن القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة والممرات البحرية، كما أن استمرار الحرب يطرح سؤالاً جوهرياً حول أهدافها النهائية ومدى قدرة الضربات العسكرية على إنتاج واقع سياسي مختلف عن سابقه.
أما في إسرائيل فإن نتائج الانتخابات وضعت نتنياهو أمام معادلة أكثر تعقيداً، فإحتفاظ الليكود بموقع متقدم لا يعني امتلاك القدرة على تشكيل الحكومة كما أن غياب الأغلبية الواضحة يفرض مفاوضات وتحالفات قد تحدّ من هامش المناورة أمامه، وفي حال تمكن آيزنكوت وحلفاؤه من تشكيل حكومة جديدة فقد نشهد اختلافاً في أسلوب إدارة العلاقة مع واشنطن وملفات إيران وغزة ولبنان والضفة الغربية لكن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تغيير جذري في الثوابت الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية، وفي هذا السياق يبرز سؤال مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية، فالدعم الأميركي لإسرائيل لا يرتبط بشخص ترامب أو بالحزب الجمهوري وحده بل يستند إلى مصالح استراتيجية وعسكرية وسياسية راسخة، ومع ذلك فإن انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين قد يفتح المجال أمام رقابة أكبر على الدعم السياسي المساعدات العسكرية إلى إسرائيل ويزيد الضغوط المتعلقة بمدى ارتباط المصالح الأميركية بالقرارات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي فإن التحول المحتمل لا يعني انهيار التحالف بين واشنطن وتل أبيب بل قد يتمثل في إعادة ضبط حدود الدعم الأميركي وكلفته الاقتصادية ومدى حرية إسرائيل في اتخاذ قرارات عسكرية قد تجر الولايات المتحدة إلى مواجهات إقليمية لا ترغب بها.
أما على المستوى الإقليمي فإن تداعيات هذه التحولات ستطال إيران ولبنان وسوريا والعراق واليمن وصولاً إلى فلسطين، فإذا اتجه ترامب نحو التسوية فقد نشهد تفاهمات مشروطة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ والعقوبات والملاحة البحرية بما يسمح لواشنطن بتقديم إنهاء المواجهة باعتباره إنجازاً سياسياً أما إذا اختار التصعيد فإن احتمالات اتساع الحرب ستبقى قائمة خصوصاً إذا ردت طهران على أي هجمات جديدة باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية أو توسيع المواجهة إلى جبهات أخرى، وفي لبنان قد يؤدي أي تصعيد أميركي إيراني أو مواجهة إسرائيلية أوسع إلى تداعيات أمنية وسياسية خطيرة في ظل الأزمات التي يعاني منها البلد أصلاً، وعلى صعيد فلسطين فلا ينبغي التعامل مع أي تغيير حكومي في إسرائيل أو مراجعة أميركية للعلاقة معها باعتباره تحولاً تلقائياً نحو تسوية عادلة، فالمعيار الحقيقي سيكون في مدى استعداد واشنطن للضغط من أجل وقف الحرب على غزة ووقف الاستيطان والاعتداءات في الضفة والقدس والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
من هنا فإن الخسارة الانتخابية لا تعني بالضرورة سقوط مشروع سياسي أو انتهاء نفوذ قادته لكنها تعني أن هامش المناورة أصبح أكثر تعقيداً، فترامب رغم امتلاكه صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والقرار العسكري سيواجه رقابة سياسية وتشريعية أكبر بينما يجد نتنياهو نفسه أمام حسابات ائتلافية قد تفرض عليه تنازلات أو تدفع إسرائيل إلى أزمة سياسية جديدة، وفي المحصلة فإن صناديق الاقتراع لم تضع نهاية مؤكدة للحرب الأميركية الإيرانية ولم تحسم مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لكنها فتحت مرحلة جديدة من إعادة الحسابات السياسية والاستراتيجية وقد تتجه المنطقة نحو تسويات تخفف حدة الصراعات أو نحو تصعيد تحاول من خلاله بعض الأطراف تعويض خسائرها السياسية وفرض وقائع جديدة.
ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة، هل يستثمر ترامب ونتنياهو نتائج الانتخابات في مراجعة سياساتهما والبحث عن مخارج سياسية أم يحاولان تعويض التراجع الانتخابي بمزيد من القوة العسكرية والتصعيد؟ ففي منطقة دفعت شعوبها أثماناً باهظة للحروب المفتوحة لا تكمن أهمية الانتخابات في تبديل الوجوه أو إعادة توزيع المقاعد بل في مدى قدرتها على وقف الحروب والحد من التدخلات العسكرية وإنهاء الاحتلال وفتح الطريق أمام الأمن والاستقرار والحرية والسلام.



