ترامب – نتنياهو

بين الانكفاء الداخلي والمغامرة الخارجية: هل يعوّضان خسائرهما السياسية بالتصعيد؟

نوفمبر 5, 2026 - 11:32
ترامب – نتنياهو

ترامب – نتنياهو
بين الانكفاء الداخلي والمغامرة الخارجية: هل يعوّضان خسائرهما السياسية بالتصعيد؟
كتب وليد العوض
كشفت نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر الجاري عن تحوّل سياسي مهم في المشهد الأمريكي، تمثّل في نجاح الحزب الديمقراطي في استعادة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في هزيمة انتخابية واضحة للحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب، الذي خاض هذه الانتخابات باعتبارها استفتاءً على سياساته وأداء إدارته خلال العامين الماضيين. ولا تبدو هذه النتائج مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل تحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود التوازنات الحزبية داخل الولايات المتحدة، لتطال قدرة ترامب على تنفيذ أجندته السياسية والاقتصادية والخارجية خلال ما تبقى من ولايته الرئاسية.
ومع ذلك، فإن خسارة ترامب للأغلبية في الكونغرس لا تعني انتهاء قدرته على إدارة البيت الأبيض أو التحكّم بالسياسة الخارجية الأمريكية، فهو لا يزال رئيساً للولايات المتحدة لعامين آخرين، ويتمتع بالصلاحيات التنفيذية والدستورية التي تتيح له مواصلة إدارة ملفات السياسة الخارجية والأمن والدفاع. لكن وجود كونغرس بأغلبية ديمقراطية سيضع قيوداً إضافية أمام تمرير تشريعاته، ويمنح خصومه مساحة أوسع للمساءلة والرقابة والتحقيق في أداء إدارته، فضلاً عن إمكانية تعطيل عدد من توجهاته وسياساته. وبذلك يجد ترامب نفسه أمام معادلة مختلفة، عنوانها أن الرئاسة باقية، لكن هامش الحركة السياسية الداخلية بات أضيق، وأن العامين المتبقيين من ولايته لن يكونا بالضرورة امتداداً سهلاً للعامين السابقين.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن عدداً من الفائزين في الانتخابات الأمريكية، بمن فيهم شخصيات ديمقراطية أبدت مواقف مؤيدة للحقوق الفلسطينية وانتقدت بعض السياسات الإسرائيلية، يشكلون تطوراً إيجابياً يستحق الاهتمام. غير أن التعويل على هذه المواقف وحدها سيكون مبالغة في قراءة نتائج الانتخابات؛ فهؤلاء يواجهون أيضاً استحقاقات داخلية تتصل بأوضاع المجتمع الأمريكي، وارتفاع تكاليف المعيشة، والرعاية الصحية، والوظائف، والهجرة، وغيرها من القضايا التي كانت حاضرة بقوة في تحديد خيارات الناخبين. كما أن المواقف المؤيدة للحقوق الفلسطينية، على أهميتها، لا تعني بالضرورة انتقالها تلقائياً إلى سياسات أمريكية جديدة تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في ظل نفوذ المؤسسات ومراكز المصالح والتحالفات الاستراتيجية التي تحكم السياسة الأمريكية. ومع ذلك، فإن اتساع مساحة الأصوات المنتقدة لسياسات الاحتلال داخل الحزب الديمقراطي والكونغرس يمثل فرصة سياسية ينبغي البناء عليها، لا الاكتفاء بالاحتفاء بها.
وفي إسرائيل، يبدو المشهد أكثر تعقيداً بالنسبة لبنيامين نتنياهو، الذي يواجه بدوره تراجعاً في موقعه السياسي، وتآكلاً في قدرته على إدارة الائتلافات والتحالفات الداخلية، في ظل استمرار الأزمات السياسية والأمنية وتداعيات الحرب، وما تثيره من خلافات داخل المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته السياسية والعسكرية. ورغم أن التخلخل في موقع نتنياهو لا يعني بالضرورة سقوطه الفوري أو فقدانه القدرة على المناورة، فإن هامش حركته بات أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل احتمالات إعادة تشكيل المشهد الحكومي والانتقال إلى حكومة تصريف أعمال، وما يرافق ذلك من حسابات تتعلق بإجراء انتخابات جديدة أو محاولة إعادة إنتاج ائتلاف سياسي قادر على الاستمرار.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف أمامها؛ فبينما يواجه ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة نتيجة فقدان حزبه السيطرة على الكونغرس، يجد نتنياهو نفسه أمام أزمة سياسية داخلية، لكنه لا يزال يحتفظ بهامش زمني للمناورة، حتى في ظل حكومة تصريف الأعمال، بما يتيح له التأثير في بعض مسارات الأحداث ومحاولة إعادة ترتيب أوراقه. ومن ثم، فإن تراجع موقع الرجلين لا يعني بالضرورة تراجع قدرتهما على التأثير في الأحداث الخارجية، بل قد يدفعهما إلى البحث عن وسائل أخرى لاستعادة المبادرة أو تحسين موقعيهما السياسيين.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يلجأ ترامب ونتنياهو إلى المغامرة الخارجية لتعويض خسائرهما الداخلية؟ وهل يمكن أن يتحول التصعيد العسكري والسياسي إلى وسيلة للهروب من الاستحقاقات الداخلية، أو لإعادة ترتيب الأولويات وصناعة وقائع جديدة تفرض نفسها على المشهد السياسي؟
إن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده، خصوصاً أن التجربة السياسية لكل من ترامب ونتنياهو تكشف عن ميل واضح إلى استخدام أدوات القوة والضغط والمواجهة في إدارة الأزمات. فترامب قد يجد في التصعيد الخارجي وسيلة لإعادة تقديم نفسه باعتباره رئيساً قادراً على فرض النفوذ الأمريكي وحماية المصالح الاستراتيجية لبلاده، والتغطية على إخفاقاته الداخلية، ولا سيما في ظل الانتقادات التي ارتبطت بتكاليف الحرب وتداعياتها الاقتصادية. أما نتنياهو، فقد يرى في استمرار التوترات الأمنية والعسكرية فرصة لإرباك خصومه الداخليين، وتأجيل الاستحقاقات السياسية، وإعادة طرح نفسه باعتباره الشخصية التي لا يمكن الاستغناء عنها في إدارة التحديات الأمنية، أو حتى فرض معادلات سياسية جديدة على خصومه وشركائه.
لكن ذلك لا يعني أن التصعيد هو الخيار الوحيد أو الحتمي أمامهما، فهناك أيضاً احتمال أن يتجه ترامب إلى احتواء الخسائر والانكفاء النسبي نحو الملفات الداخلية، ومحاولة التوصل إلى تفاهمات مع الديمقراطيين في بعض القضايا، بينما قد يسعى نتنياهو إلى تجنب مواجهة شاملة لا يضمن نتائجها، أو إلى توظيف التوترات القائمة ضمن حدود محسوبة تخدم حساباته السياسية. وبين الانكفاء الداخلي والاندفاع الخارجي، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، سواء في المنطقة العربية أو تجاه إيران ولبنان وقطاع غزة، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر اتساع المواجهة وانفلاتها من الحسابات التي قد يكون واضعوها قد رسموها مسبقاً.
وفي الحالة الفلسطينية، فإن هذه التطورات تضعنا أمام ضرورة قراءة المشهد بقدر عالٍ من المسؤولية السياسية، بعيداً عن المبالغة في التفاؤل بنتائج الانتخابات الأمريكية، أو الاستسلام للتشاؤم من استمرار السياسات الإسرائيلية والأمريكية. فالتغيرات داخل الولايات المتحدة، والتصدعات في موقع نتنياهو، لا تعني وحدها أن واقعاً جديداً سيولد تلقائياً لصالح شعبنا، كما أن احتمالات التصعيد لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للانتظار أو الاكتفاء بمراقبة ما يجري.
إن المطلوب فلسطينياً هو استعادة المبادرة السياسية والوطنية، وإدراك أن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تحولات وتناقضات، تتيح فرصاً ينبغي استثمارها، لكنها تنطوي أيضاً على مخاطر تستوجب الاستعداد لها. وهذا يبدأ بإنهاء حالة الانقسام، واستعادة وحدة القرار الوطني والمؤسسات الوطنية، وإطلاق حوار جدي ومسؤول يفضي إلى مراجعة شاملة للمسار السياسي، وتوحيد الموقف الفلسطيني إزاء مختلف التحديات والاستحقاقات المقبلة.
كما يتطلب الانتقال من مربع إدارة الأزمة وانتظار التحولات الخارجية إلى مربع الفعل السياسي المنظم، والبناء على اتساع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وتعزيز الحضور الفلسطيني في المؤسسات والمحافل الدولية، ومواصلة العمل من أجل محاسبة الاحتلال على جرائمه، ووقف الإبادة ، وحماية شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، ومواجهة محاولات التهجير والضم وتصفية القضية الفلسطينية.
ففي ظل عالم تتغير فيه موازين القوى، وتتراجع فيه بعض التحالفات وتتصاعد فيه التناقضات، لا يجوز أن يبقى الفلسطينيون مجرد متلقين لنتائج الصراعات بين القوى الكبرى، أو رهائن لحسابات نتنياهو وأزماته السياسية، أو لخيارات ترامب ومغامراته الخارجية. إن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على وحدة شعبنا وقدرته على حماية حقوقه الوطنية، وعلى بناء موقف سياسي فلسطيني موحد يمتلك رؤية واضحة وأدوات فعل مؤثرة.
وبين انكفاء ترامب واندفاع نتنياهو، أو العكس، لا ينبغي أن ننتظر ما ستقرره حساباتهما؛ بل علينا أن نمتلك نحن حساباتنا الوطنية، وأن نتحرك بما يحمي شعبنا ويصون حقوقه ويعيد الاعتبار لمشروعه الوطني. فالتاريخ لا يمنح الفرص لمن ينتظرها فقط، بل لمن يمتلك الإرادة والقدرة على تحويلها إلى واقع سياسي جديد.
5-11-2026