الإنتخابات الأميركية ، تراجع نفوذ «الترامبية» أم بداية تغيير في السياسات ؟
د. مروان إميل طوباسي
الإنتخابات الأميركية ، تراجع نفوذ «الترامبية» أم بداية تغيير في السياسات ؟
* د. مروان إميل طوباسي
لم تكن النتائج الأولية للإنتخابات النصفية الأميركية التي باتت تتضح اليوم مجرد تنافس تقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين على مقاعد الكونغرس ومجلس الشيوخ ، بل حملت دلالات سياسية تتجاوز الداخل الأميركي الى العالم . فهي تعكس تصاعد الأعتراض على سياسات دونالد ترامب ونهجه السياسي والفكري المعروف بـ«الترامبية» ، بما تمثله من شعبوية يمينية ونزعات قومية وانعزالية وتوجهات سلطوية . فالتقدم الواسع للديمقراطيين واستعادتهم السيطرة على مجلس الشيوخ ، مع مؤشرات تقدمهم نحو أغلبية مجلس النواب ، يطرح تساؤلات تتجاوز مستقبل إدارة ترامب خلال العامين المتبقيين من ولايته ، إلى مستقبل هذا التيار وانعكاساته على السياسة الأميركية تجاه العالم ، وعلى قضايا الأمن والسلام الدوليين ، وفي مقدمتها الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية والحرب على إيران والمسألة الأوكرانية .
لقد جاءت هذه النتائج الأولية وسط تنامي القلق الشعبي الأمريكي من ارتفاع تكاليف المعيشة والفقر وسياسات الجشع الرأسمالي الإقتصادية ومسألة توزيع الضرائب ومخاطرها على الديمقراطية الأمريكية نفسها ، والأعتراض على الدعم الكامل للأحتلال الإسرائيلي وخاصة بعد عدوان الإبادة على غزة وتصاعد المشروع الإستيطاني ، والحرب على إيران وتداعياتها كما وسياسات اثارة بؤر التوتر حول العالم وبشكل خاص في أوكرانيا وبحر الصين والتدخلات في شوؤن أمريكيا اللاتينية وفكر الإستعمار الجديد تجاه الجنوب العالمي ، والانتقادات لنهج ترامب في إدارة السلطة وعلاقته بالمؤسسات الدستورية .
وهي مؤشرات على تراجع التأييد لسياساته واحتمال إعادة التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بالولايات المتحدة . فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تمنحهم أدوات للمساءلة والرقابة والتأثير في الموازنات والسياسات الخارجية ، لكنها لا تعني نهاية نفوذ ترامب اتوماتيكياً ، ولا تراجع سريع لمنهج السياسات «الترامبية» بالضرورة كتيار سياسي واجتماعي عالمي له امتداداته داخل المجتمع الأميركي بدعم من الصهيونية الإنجيلية ومجمعات الصناعات العسكرية وغيرها واليمين الشعبوي حول العالم وتحديداً في أوروبا . حيث تحتاج هذه التحولات الى بناء التراكم الكمي عليها لأحداث التغير النوعي المطلوب بالسياسات الأمريكية ، في وقت ما زالت الخشبة واردة من ردود فعل الفكر "الترامبي" على هذه النتائج .
أما فلسطينياً ، فالسؤال الأهم لنا ليس مدى أنتصار الديمقراطيين على ترامب ، بل ما إذا كانت هذه النتائج تعكس تحولاً أعمق في الوعي السياسي الأميركي تجاه إسرائيل وسياساتها الإستعمارية ، وإمكانية مراجعة الدعم السياسي والعسكري غير المشروط للأحتلال الإستيطاني .
فقد شهد المجتمع الأميركي ، خصوصاً منذ حرب الإبادة والتدمير في غزة ، تحولات لافتة اتسمت في اتساع الإحتجاجات الطلابية والنقابية والشعبية والتغير في عدد من البلديات ، وتصاعد الأصوات المطالبة بإنهاء الأحتلال ووقف تسليح إسرائيل ومساءلتها عن انتهاكاتها . ولم تعد هذه المواقف محصورة في أوساط اليسار التقدمي ، بل أخذت تجد تعبيرات متزايدة داخل الحزب الديمقراطي نفسه وبعض اوساط الجمهوريين ايضا ، رغم استمرار نفوذ التيارات المتمسكة بالتحالف التقليدي والعقائدي مع إسرائيل .
وهنا تكمن إحدى الدلالات المهمة للمرحلة ، إذ لم تعد العلاقة مع إسرائيل بمنأى عن الجدل والمساءلة داخل المجتمع الأميركي . لكن من الخطأ بأعتقادي اعتبار تقدم الديمقراطيين تحولاً تلقائياً نحو الإعتراف بالحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني ، وفي مقدمتها حق تقرير المصير . فالإدارات الديمقراطية السابقة شاركت أيضاً في توفير الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل ، وتعاملت مع الأحتلال باعتباره واقعاً قابلاً للإدارة ، لا منظومة استعمارية يتوجب إنهاؤها ، لكن ما تغير اليوم هو هذا إلتنامي بالرأي العام تجاه حقوق الشعوب وقضايا العدالة .
وقد يفرض تغير موازين القوى في واشنطن تحديات جديدة أمام نتنياهو أو أي حكومة إسرائيلية جديدة تخلفه ، لكنه لن يغير بالضرورة جوهر سياسات الأحزاب الصهيونية الإسرائيلية ، على اختلاف مواقعها الحزبية ، طالما بقيت قائمة على الحروب والتوسع والأستيطان والضم وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية .
فالتحالف الإستراتيجي الأميركي الإسرائيلي أعمق من هوية الحزب الحاكم في واشنطن ، كما أن المشروع الأستعماري الإسرائيلي يتجاوز الخلافات الحكومية والحزبية في تل أبيب ، رغم اهمية تراجع نفوذ نتنياهو بما يمثله .
وفي السياق الإقليمي ، قد تتعرض مشاريع ترامب لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لمزيد من الرقابة والمساءلة ، بما فيها صفقات كوشنير وترتيبات مستقبل غزة تحت مسميات مجلس السلام والقرار ٢٨٠٣ ، ومحاولات فرض ترتيبات سياسية وأمنية تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية . غير أن هذه الإحتمالات لا تشكل ضمانة لوقف تلك المشاريع أو تغيير أهدافها .
إن هذه التحولات تتيح فرصاً لتطوير العمل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني مع القوى الديمقراطية واليسارية والتقدمية الأميركية بل وايضأ على مستوى العالم ، وحركات التضامن والنقابات والجامعات والمؤسسات الحقوقية ، لتحويل التحولات في الرأي العام إلى ضغط سياسي فعلي على صناع القرار بما يخدم البعد الحقيقي المفترض من الأعترافات المتزايدة بالدولة الفلسطينية . لكنها تتطلب أولاً استعادة وحدة شعبنا الوطنية ، وإعادة الإعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بإصلاحها الديمقراطي وتطوير دورها الشعبي كجبهة وطنية عريضة ، وتبني استراتيجية تحرر وطني جامعة ترتبط بالعدالة الإجتماعية ، ترتبط بإرادة سياسية واضحة تستند إلى وحدة الشعب والأرض والقضية وإلى الشرعية الإنتخابية الديمقراطية العاجلة التي يستحقها شعبنا كصاحب السلطات ، والى ترسيخ مبادئ التحولات الديمقراطية اللازمة والمواطنة والمجتمع المدني ، كما وإلى الحقوق الوطنية والتاريخية غير القابلة للتصرف اساساً .
فالإنتخابات الأميركية قد تقيد ترامب وتشكل بدء افول سياسات الهيمنة والتسارع في بناء النظام الدولي متعدد الأقطاب . كما قد تغير نتائج الإنتخابات الإسرائيلية هوية الحكومة في تل أبيب ، لكنها لن تنهي رؤية اسرائيل كقوة منفردة مسيطرة بالشرق الأوسط ، ولن تنهي الأحتلال نيابة عن شعبنا الفلسطيني ودور حركتنا الوطنية المفترض الأرتقاء به وتجديده ، وإلى ايجاد تحالف وطني ديمقراطي تقدمي واسع على مستوى شعوب المنطقة .
وما نحتاجه ليس انتظار ما ستفعله واشنطن أو تل أبيب ، بل استعادة المبادرة السياسية والقرار الوطني المستقل ، وإعادة بناء مشروعنا التحرري على أسس واضحة ، وتحويل التضامن الدولي المتنامي إلى قوة سياسية وقانونية وشعبية فاعلة على مستوى العالم لإيجاد جبهة عالمية مناهضة لبقايا فكر الإستعمار والعنصرية ، من أجل إنهاء الأحتلال الاستعماري اولاً ونظام التمييز العنصري ، وانتزاع حقوق شعبنا في الحرية والعدالة والمساواة وتقرير المصير والأستقلال الوطني .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .



