الانتخابات الأمريكية وأزمة إسرائيل والحرب مع إيران: تحولات استراتيجية تعيد رسم موازين الشرق الأوسط
الانتخابات الأمريكية وأزمة إسرائيل والحرب مع إيران: تحولات استراتيجية تعيد رسم موازين الشرق الأوسط
إعداد وتحليل وتحرير صحفي: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
تكشف التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في الولايات المتحدة وإسرائيل والشرق الأوسط عن مرحلة مفصلية في توازنات النظام الدولي والإقليمي، في ظل تداعيات المواجهة مع إيران، وتراجع الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وتصاعد الخلافات داخل إسرائيل بشأن تشكيل الحكومة ومستقبل العلاقة مع واشنطن.
ولم تعد نتائج الانتخابات الأمريكية مجرد تحول في موازين القوى الحزبية داخل الكونغرس، بل أصبحت مؤشراً على اتساع النقاش الأمريكي بشأن كلفة الحروب الخارجية، وأولويات الاقتصاد، وحدود الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل، في وقت تواجه فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب تحديات سياسية واقتصادية واستراتيجية متشابكة.
الانتخابات الأمريكية: الحرب والاقتصاد في صدارة أسباب التراجع الجمهوري
تشير نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي جرت في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، إلى تحول مهم في موازين القوى داخل الكونغرس، مع تمكن الديمقراطيين من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وفق النتائج المعلنة.
وقد أقر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بأن الحرب مع إيران، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، كانت من العوامل الرئيسية وراء تراجع الجمهوريين. وتكتسب تصريحاته أهمية سياسية لأنها تعكس نقاشاً متنامياً داخل الحزب الجمهوري بشأن جدوى الانخراط العسكري الخارجي، ومدى انعكاسه على المصالح الأمريكية المباشرة.
وتضع هذه النتائج إدارة ترامب أمام واقع سياسي جديد؛ إذ تمنح السيطرة الديمقراطية على المجلسين المعارضة أدوات رقابية وتشريعية لمساءلة الإدارة بشأن إدارة الحرب، والإنفاق العسكري، والسياسة الخارجية، والالتزامات المالية الأمريكية في الخارج.
ولا يعني ذلك بالضرورة تغييراً فورياً في السياسة الأمريكية، لكنه يرفع كلفة اتخاذ قرارات عسكرية واسعة دون غطاء سياسي ومؤسسي، ويجعل الحسابات الداخلية جزءاً أساسياً من أي قرار يتعلق باستمرار المواجهة مع إيران.
العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: من الدعم التقليدي إلى مراجعة الحسابات
من أبرز التطورات التي تستحق التوقف عندها النقاش المتصاعد بشأن المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، في ضوء إعلان ترامب وقف المساعدات المباشرة وفق الصيغة المعلنة، وما أثاره ذلك من قلق داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية.
وتتجاوز دلالة هذا التطور قيمته المالية، لتطال طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، التي قامت لعقود على الدعم العسكري والتعاون الأمني والتنسيق السياسي.
وتشير مواقف عدد من المسؤولين والمحللين الأمريكيين إلى تنامي المطالب بإعادة تقييم هذه العلاقة، وربط المساعدات بالمصالح الأمريكية وأولويات السياسة الخارجية، في ظل التحولات التي يشهدها الرأي العام الأمريكي، ولا سيما بين قطاعات الشباب والناخبين الديمقراطيين.
كما أن نتائج الانتخابات، وما أظهرته من نجاح شخصيات ناقدة للسياسات الإسرائيلية، ومن بينها عبدول السيد في ولاية ميشيغان، تعكس اتساع مساحة النقاش داخل المؤسسات الأمريكية بشأن إسرائيل والمساعدات العسكرية والقضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تواجه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «إيباك»، بيئة سياسية وإعلامية أكثر تعقيداً من السابق. فلم تعد قدرتها على التأثير في الانتخابات والقرارات السياسية مطلقة، كما أن الحملات الانتخابية التي تستهدف مرشحين بسبب مواقفهم من إسرائيل لا تضمن بالضرورة تغيير خيارات الناخبين.
ومع ذلك، فإن إعادة تقييم المساعدات لا تعني انتهاء التحالف الأمريكي الإسرائيلي، الذي ما زال يستند إلى مصالح عسكرية واستخبارية وتكنولوجية عميقة، وإنما تعكس احتمال الانتقال إلى صيغة أكثر ارتباطاً بالمصالح والشروط السياسية والاقتصادية الأمريكية.
الحرب مع إيران: معادلة الاستنزاف ومخاطر التصعيد
تضع الحرب مع إيران الولايات المتحدة وإسرائيل أمام اختبار استراتيجي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فالتفوق العسكري والتكنولوجي لا يضمنان وحدهما تحقيق الأهداف السياسية، كما أن توسيع نطاق العمليات قد يفتح جبهات إضافية ويضاعف المخاطر على أمن الخليج والملاحة الدولية وأسواق الطاقة.
وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين استمرار المواجهة المحدودة، والعودة إلى التفاوض، وتوسيع الضربات العسكرية، أو التوصل إلى تفاهمات مرحلية تتناول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات والضمانات الأمنية.
وتكشف التحركات العسكرية الأمريكية، بما فيها تحليق طائرات التزود بالوقود في أجواء المنطقة، عن استمرار الاستعدادات والاحتياطات العملياتية، لكنها لا تشكل وحدها دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.
وتواجه إدارة ترامب معادلة دقيقة؛ فالتصعيد العسكري الواسع قد يرفع أسعار الطاقة، ويزيد الضغوط التضخمية، ويضع الاقتصاد الأمريكي أمام أعباء إضافية، فضلاً عن فتح مواجهة سياسية داخل الكونغرس بشأن صلاحيات الحرب والإنفاق العسكري.
ومن هنا، فإن نتائج الانتخابات تضيف عاملاً جديداً إلى حسابات الإدارة الأمريكية، يتمثل في ضرورة الموازنة بين الالتزامات الخارجية والضغوط الداخلية، وبين الحفاظ على الردع العسكري وتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة يصعب تحديد نهايتها وتكاليفها.
إسرائيل: أزمة تشكيل الحكومة وتراجع هامش المناورة
على الجبهة الإسرائيلية، تعكس المشاورات التي بدأها الرئيس إسحاق هرتسوغ لتشكيل الحكومة حجم الانقسام السياسي، في ظل صعوبة بناء ائتلاف مستقر وتباين مواقف الأحزاب بشأن مستقبل الحكم والسياسات الأمنية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تراجع موقع حزب «شاس» وتقدم أرييه درعي بطلب الاستقالة من الكنيست، وما يرافقه من إعادة ترتيب داخل الأحزاب الدينية والسياسية.
كما تثير المطالبات الأمنية بالتحقيق مع قيادات الأحزاب العربية، ومن بينهم أحمد الطيبي ومنصور عباس وسامي أبو شحادة، جدلاً حول حدود تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية وضرورة احترام استقلال القضاء والحقوق السياسية للمواطنين العرب.
وتكتسب تأكيدات لجنة الانتخابات بشأن عدم وجود أدلة على المساس بنزاهة الاقتراع أهمية خاصة، لأنها تعيد الاعتبار إلى مبدأ أن الخلافات السياسية والانتخابية يجب أن تُحسم وفق القانون والمؤسسات المختصة، بعيداً عن توظيف الأجهزة الأمنية في الصراع الحزبي.
أما نتنياهو، فإن التحدي الذي يواجهه لا يقتصر على تشكيل الحكومة، بل يمتد إلى علاقته بالإدارة الأمريكية الجديدة في ضوء التحولات داخل الكونغرس، وإلى قدرته على الحفاظ على هامش المناورة السياسية والعسكرية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الخارجية والداخلية.
الخليج وأوروبا: مراجعة منظومة الأمن والتحالفات
في الإطار الإقليمي، تعكس تصريحات أنور قرقاش بشأن محدودية فاعلية منظومة الأمن الجماعي الخليجي خلال الأزمة مع إيران اتجاهاً نحو مراجعة الترتيبات الأمنية القائمة، ومدى قدرتها على حماية الدول والمنشآت الحيوية والممرات البحرية.
وتؤكد التطورات أن أمن الخليج لا يمكن أن يعتمد على المظلة العسكرية الخارجية وحدها، بل يحتاج إلى تنسيق إقليمي حقيقي، وآليات مشتركة للدفاع والإنذار المبكر، وتحرك دبلوماسي يمنع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاتصالات المصرية مع طهران والرياض لمنع اتساع المواجهة، إلى جانب التحركات التركية في الإقليم، وما تشهده أوروبا من مراجعة لسياساتها الدفاعية وإعادة بناء قدراتها العسكرية، خصوصاً في ألمانيا.
وهذه المؤشرات تعكس اتجاهاً دولياً نحو إعادة تقييم مفهوم الأمن والتحالفات، في ظل تراجع اليقين بشأن قدرة الولايات المتحدة على إدارة جميع الأزمات الدولية بالآليات التقليدية نفسها.
القضية الفلسطينية: ضرورة استثمار التحولات الدولية
لا يمكن فصل هذه المتغيرات عن القضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتصاعد الاعتداءات والاستيطان في الضفة الغربية والقدس.
إن اتساع النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن المساعدات العسكرية لإسرائيل، وتزايد الانتقادات الموجهة إلى سياساتها، يوفران فرصة سياسية ودبلوماسية ينبغي توظيفها بصورة مدروسة، من خلال التحرك مع المؤسسات التشريعية الأمريكية والأوروبية، والمنظمات الدولية، ومراكز الأبحاث والإعلام.
لكن من الضروري عدم المبالغة في تقدير نتائج التحولات الأمريكية؛ فالخلافات الحزبية لا تعني بالضرورة تحولاً فورياً في الموقف من إسرائيل، كما أن السيطرة الديمقراطية على الكونغرس لا تشكل ضمانة تلقائية لتبني سياسة جديدة تجاه الحقوق الفلسطينية.
المطلوب فلسطينياً هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى بناء استراتيجية وطنية موحدة، تستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتضع إنهاء الاحتلال والاستيطان، وحماية الشعب الفلسطيني، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، في صدارة التحرك السياسي والدبلوماسي.
خلاصة استراتيجية
إن ما تشهده الولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة ليس مجرد تغير في الحكومات أو موازين المقاعد البرلمانية، بل هو انعكاس لأزمة أوسع تتعلق بكلفة الحروب، وحدود القوة العسكرية، ومستقبل التحالفات، وإعادة ترتيب الأولويات الدولية.
وتواجه إدارة ترامب اختباراً حقيقياً في كيفية التوفيق بين التزاماتها الخارجية والضغوط الداخلية، فيما تجد إسرائيل نفسها أمام بيئة سياسية أمريكية أكثر نقاشاً ومساءلة، وأزمة داخلية تتصل بتشكيل الحكومة ومستقبل سياساتها.
أما الحرب مع إيران، فإن استمرارها أو توسيعها سيظل مرتبطاً بحسابات الردع والمصالح الاقتصادية والسياسية، ومخاطر اتساع المواجهة إلى دول الخليج والممرات البحرية والأسواق الدولية.
إن المرحلة المقبلة تفرض تغليب المسار الدبلوماسي على منطق التصعيد، والاحتكام إلى القانون الدولي، وتجنب المغامرات العسكرية غير المحسوبة. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن التحولات الراهنة تفتح مجالاً لإعادة طرح الحقوق الوطنية الفلسطينية على المستوى الدولي، شريطة وجود موقف فلسطيني موحد ورؤية سياسية واضحة قادرة على تحويل المتغيرات الدولية إلى نتائج عملية.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



