غزّة غيّرت العالم… ووصل صوتها إلى صناديق الاقتراع الأمريكية.
بقلم: د. أسعد العويوي
غزّة غيّرت العالم… ووصل صوتها إلى صناديق الاقتراع الأمريكية
بقلم: د. أسعد العويوي
لم تعد غزّة مجرد عنوان لحرب طويلة أو مأساة إنسانية استثنائية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لقد أصبحت حدثاً مفصلياً في الوعي العالمي، ومحطة كشفت ما كان مخفياً خلف الخطابات السياسية، وأسقطت كثيراً من المسلّمات التي حكمت علاقة العالم بالقوة والعدالة وحقوق الإنسان.
لم تغيّر غزّة العالم لأنها امتلكت أدوات التأثير التقليدية، بل لأنها وضعت العالم بأسره أمام مشهد لم يعد ممكناً تجاهله، وفرضت على الحكومات والشعوب والمؤسسات الدولية أن تكشف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، موقعها من سؤال العدالة الإنسانية.
والأهم أن تأثيرها لم يتوقف عند حدود التضامن الشعبي أو المواقف الدبلوماسية، بل امتد إلى النقاشات السياسية الداخلية في دول كبرى، ووصل إلى واحدة من أهم ساحات القرار العالمي: الولايات المتحدة الأمريكية.
حين انكشف النظام الدولي
كان الاختبار الأول هو اختبار القانون الدولي. فقد كشفت الحرب على غزة عن فجوة عميقة بين المبادئ التي تتبناها الدول الكبرى في المحافل الدولية، وبين سياساتها عندما تتعارض هذه المبادئ مع مصالحها الاستراتيجية.
فالدول التي طالما جعلت من حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون جزءاً من خطابها السياسي وجدت نفسها أمام أسئلة صعبة بشأن حماية المدنيين، ووقف الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
لم تكن المشكلة في غياب القوانين الدولية، بل في غياب الإرادة السياسية الكافية لتطبيقها بصورة متساوية. وهذه المعضلة جعلت غزة تتحول من قضية إقليمية إلى سؤال عالمي حول مصداقية النظام الدولي نفسه.
لقد أصبح واضحاً أن مصداقية أي نظام دولي لا تُقاس بما يعلنه من مبادئ، بل بقدرته على تطبيقها دون ازدواجية أو استثناءات.
الشعوب لم تعد ترى العالم من خلال حكوماتها
من أبرز التحولات التي كشفتها غزة اتساع المسافة بين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي ومواقف حكوماتها.
خرج الطلاب إلى الجامعات، وامتلأت الساحات بالمتظاهرين، وظهرت أصوات من داخل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والنقابية والحقوقية تطالب بمراجعة السياسات المتبعة تجاه إسرائيل، وتدعو إلى احترام الحقوق الفلسطينية.
لم تعد فلسطين في نظر أجيال جديدة مجرد ملف في الشرق الأوسط، بل أصبحت قضية مرتبطة بالعدالة والمساواة وحرية التعبير وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الحرب: لم تعد الحكومات وحدها قادرة على احتكار تفسير الأحداث أو التحكم في الرواية التي تصل إلى مجتمعاتها. فقد أسهم الإعلام الرقمي والصحافة المستقلة وشهادات الصحفيين الفلسطينيين في نقل تفاصيل الواقع إلى ملايين البشر، رغم القيود المفروضة على الوصول الإعلامي المستقل إلى القطاع.
لقد تغيرت طريقة وصول الحقيقة إلى العالم، وأصبحت الرواية الفلسطينية حاضرة في فضاءات لم تكن تصل إليها بهذا الاتساع من قبل.
غزة تصل إلى صناديق الاقتراع الأمريكية
لعل أحد أبرز المؤشرات على اتساع تأثير غزة هو انتقال تداعيات الحرب إلى قلب النقاش السياسي الأمريكي. فالانتخابات النصفية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 لم تكن مجرد منافسة حزبية على مقاعد الكونغرس، بل جاءت في ظل نقاشات متزايدة حول السياسة الأمريكية الخارجية، والعلاقة بإسرائيل، وحدود الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه واشنطن لها.
وقد حملت النتائج تحولاً مهماً، تمثل في استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في خسارة انتخابية واسعة للحزب الجمهوري والإدارة المرتبطة بالرئيس دونالد ترامب.
ومن الضروري قراءة هذه النتائج في سياقها الكامل؛ فقد لعبت الحرب الأمريكية مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، والقلق الاقتصادي، وأداء الإدارة الأمريكية دوراً أساسياً في توجهات الناخبين. لذلك لا يمكن اختزال النتيجة في موقف الناخب الأمريكي من غزة وحدها.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الحرب على غزة أسهمت في توسيع النقاش داخل المجتمع الأمريكي والحزب الديمقراطي بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وأثارت تساؤلات متزايدة حول المساعدات العسكرية، والمساءلة عن الانتهاكات، وحدود الدعم غير المشروط للحكومات الإسرائيلية.
كما شهدت الانتخابات فوز شخصيات تقدمية انتقدت السياسات الإسرائيلية أو طالبت بمراجعة الدعم العسكري الأمريكي، ومن بينها عبد الإله السيد، الذي أصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان.
هذه التطورات لا تعني أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ستتغير تلقائياً، ولا أن التحالف الاستراتيجي بين البلدين قد انتهى. فالرئيس الأمريكي يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، كما أن الكونغرس الجديد لن يتسلم مهامه قبل يناير 2027.
لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تعد بمنأى عن نقاش سياسي وتشريعي أوسع، وأن مساحة الاعتراض على بعض السياسات الإسرائيلية اتسعت داخل مؤسسات ومجتمعات أمريكية كانت تقليدياً أكثر تحفظاً في هذا المجال.
إن وصول غزة إلى النقاش الانتخابي الأمريكي يمثل تطوراً سياسياً مهماً؛ فالقضية التي حاول كثيرون إبقاءها ضمن حدود الصراع الإقليمي أصبحت حاضرة في النقاش حول المصالح الأمريكية والقيم التي تعلن واشنطن الدفاع عنها.
إسرائيل أمام تحوّل في صورتها الدولية
لا يمكن تجاهل أن إسرائيل تواجه تحدياً متزايداً يتعلق بصورتها ومكانتها الدولية، خصوصاً لدى قطاعات من الشباب والمجتمعات المدنية في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وهذا لا يعني أن المواقف الدولية أصبحت موحدة، أو أن التحالفات السياسية والعسكرية التي تحظى بها إسرائيل قد انهارت، لكنه يعني أن صورتها لم تعد بمنأى عن النقد والمساءلة، وأن الدعم السياسي التقليدي لها أصبح يواجه نقاشاً أوسع داخل المجتمعات الغربية نفسها.
والأكثر أهمية أن النقاش لم يعد مقتصراً على العمليات العسكرية، بل امتد إلى مستقبل الاحتلال، وحقوق الفلسطينيين، وشكل التسوية السياسية الممكنة، وحدود مسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي.
لقد كشفت غزة أن الأمن لا يمكن أن يكون امتيازاً لطرف على حساب أمن الطرف الآخر، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو إنهاء قضية شعب يطالب بحريته وحقوقه الوطنية.
لكن ماذا عن الفلسطينيين؟
هنا ينبغي ألا نكتفي بقراءة ما كشفته غزة عن الآخرين، بل علينا أن نواجه السؤال الأصعب: ماذا ينبغي أن نفعل نحن الفلسطينيين إزاء هذه التحولات؟
إن التعاطف الدولي، مهما اتسع، لا يتحول تلقائياً إلى مكاسب سياسية. والمظاهرات والبيانات والتضامن الشعبي لا تكفي وحدها لإنهاء الاحتلال أو ضمان قيام الدولة الفلسطينية.
إن مسؤوليتنا اليوم هي تحويل التحول في الوعي العالمي إلى مشروع سياسي فلسطيني واضح، قادر على مخاطبة العالم بلغة المصالح والحقوق والقانون، وليس الاكتفاء بمخاطبته بلغة المأساة.
وهذا يتطلب استعادة وحدة القرار الوطني، وتجديد الشرعية السياسية، وإعادة بناء المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وتقديم رؤية واقعية لمستقبل غزة والضفة الغربية والقدس باعتبارها أجزاء من وطن واحد وقضية وطنية واحدة.
كما يتطلب الانتقال من انتظار تغير مواقف الآخرين إلى امتلاك القدرة على التأثير فيها، ومن ردود الفعل المتفرقة إلى استراتيجية سياسية ودبلوماسية وإعلامية متكاملة.
ولا يجوز أن ننتظر الانتخابات الأمريكية المقبلة، أو تبدل الإدارات والتحالفات، حتى نحدد وجهتنا الوطنية. فالمتغيرات الدولية قد تفتح فرصاً، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب الرؤية الفلسطينية أو وحدة القرار.
العالم قد يفتح نافذة جديدة أمام القضية الفلسطينية، لكن الفلسطينيين هم المسؤولون عن تحويل هذه النافذة إلى طريق سياسي حقيقي.
العالم بعد غزة ليس كما كان قبلها
ربما لا تكون التحولات التي أحدثتها غزة قد اكتملت بعد، وربما تحتاج سنوات حتى تظهر نتائجها السياسية والمؤسسية. لكن المؤكد أن شيئاً جوهرياً قد تغير في طريقة النظر إلى فلسطين، وفي طبيعة النقاش العالمي حول العدالة والقانون وحقوق الإنسان.
لقد كشفت غزة أن القوة لا تصنع الحقيقة، وأن امتلاك أدوات النفوذ لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، وأن الشعوب تستطيع، حتى عندما تكون بعيدة عن مراكز القرار، أن تؤثر في تشكيل الوعي العالمي.
ومن شوارع العواصم والجامعات إلى النقاشات داخل الكونغرس الأمريكي وصناديق الاقتراع، أصبحت فلسطين حاضرة في مساحة سياسية وإعلامية أوسع. وهذه نتيجة تستحق القراءة، لكنها ليست نهاية الطريق.
فالتاريخ لا يمنح التضحيات نتائج سياسية بصورة تلقائية؛ فذلك يحتاج إلى قيادة ورؤية ووحدة وإرادة.
غزة لم تطلب من العالم أن يتعاطف معها فقط، بل أجبرته على أن ينظر إلى نفسه في مرآة الحقيقة. والانتخابات الأمريكية الأخيرة أظهرت أن النقاش حول العلاقة بإسرائيل والدعم المقدم لها أصبح جزءاً من حسابات السياسة الداخلية الأمريكية، وإن كانت دوافع الناخبين متعددة ولا يمكن ردّها إلى عامل واحد.
أما السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا نحن الفلسطينيين، فهو ليس فقط كيف تغير العالم بعد غزة، بل كيف سنغير نحن واقعنا السياسي، وكيف نحول هذا الحضور الدولي إلى إنجاز وطني يحمي حقوق شعبنا ويصون تضحياته.
غزة غيّرت العالم، ووصل صوتها إلى صناديق الاقتراع الأمريكية. لكن التحدي الأكبر يبقى فلسطينياً: أن نكون على مستوى هذه اللحظة، وأن نحوّل ما كشفته غزة من حقائق وما أحدثته من تحولات إلى مشروع وطني موحد، يقود شعبنا نحو الحرية والاستقلال، لا إلى انتظار جولة جديدة من المآسي حتى يسمع العالم صوته من جديد.



