هل تدخل العلاقات مع واشنطن مرحلة التحول؟
إعداد وتحليل: المحامي علي أبو حبلة
هل تدخل العلاقات مع واشنطن مرحلة التحول؟
إعداد وتحليل: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
تضع نتائج الانتخابات الأميركية إسرائيل أمام مرحلة جديدة من التحديات السياسية والتشريعية، في ظل تنامي الأصوات داخل الحزب الديمقراطي المطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع تل أبيب، ومراجعة الدعم العسكري والسياسي الأميركي، على خلفية استمرار الاستيطان في الضفة الغربية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وتداعيات الحرب على قطاع غزة.
ولا تكمن أهمية التحول في فوز الديمقراطيين بمقاعد الكونغرس فحسب، بل في طبيعة الرسائل السياسية التي حملتها النتائج، والتي تعكس اتساع الفجوة بين السياسات الإسرائيلية واتجاهات قطاعات متزايدة من الرأي العام الأميركي، خصوصاً بين الأجيال الشابة. وتشير المعطيات الواردة في التقارير الأميركية إلى ارتفاع نسبة التأييد للمرشحين الديمقراطيين بين الفئات العمرية الشابة، بما يعكس تغيراً تدريجياً في النظرة إلى إسرائيل والقضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي.
من الخلاف السياسي إلى المواجهة التشريعية
المتوقع أن تشهد الدورة الجديدة للكونغرس، اعتباراً من كانون الثاني المقبل، تحركاً ديمقراطياً لطرح مبادرات تشريعية تستهدف السياسات الإسرائيلية، تشمل إعادة فرض العقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال العنف، وتقييد بعض أشكال المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة، إلى جانب بحث حظر استيراد منتجات المستوطنات، وفرض إجراءات ضد الجهات الداعمة للتوسع الاستيطاني في منطقة E1.
وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة لأنها تنقل الخلاف من دائرة الانتقاد السياسي والدبلوماسي إلى محاولة استخدام الأدوات التشريعية والرقابية للضغط على الحكومة الإسرائيلية. كما أن استهداف النشاط الاستيطاني يحمل دلالات قانونية وسياسية، في ضوء الموقف الدولي الذي يعتبر المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية، وفق قرارات الشرعية الدولية والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز 2024.
ومع ذلك، فإن تحويل هذه المبادرات إلى قوانين نافذة لن يكون أمراً سهلاً، في ظل التوازنات داخل مجلس الشيوخ، واحتمال استخدام الرئيس دونالد ترامب حق النقض، فضلاً عن المصالح الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية التي تربط واشنطن بتل أبيب.
تراجع الدعم لإسرائيل.. تحول يتجاوز الحزب الديمقراطي
الأكثر أهمية أن الانتقادات لم تعد محصورة في أوساط التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، بل بدأت تمتد إلى شرائح من الناخبين الشباب، وبعض الأوساط المحافظة وأنصار شعار «أميركا أولاً»، الذين باتوا يتساءلون عن كلفة الانخراط الأميركي في صراعات الشرق الأوسط، وعن جدوى استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل.
وهذا التحول يضع المؤسسات الداعمة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك»، أمام اختبار متزايد، خصوصاً مع تراجع قدرة الحملات السياسية والإعلامية المؤيدة لإسرائيل على التأثير الحاسم في قطاعات من الناخبين الأميركيين.
كما أن استمرار الحرب وسياسات الاستيطان والتوسع في فرض الوقائع على الأرض قد يحول القضية الفلسطينية إلى عامل مؤثر في الانتخابات الأميركية المقبلة، وليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية.
المساعدات العسكرية ومستقبل العلاقة الاستراتيجية
يمثل ملف المساعدات العسكرية الأميركية أحد أبرز ميادين المواجهة المحتملة، إذ يمتلك الكونغرس صلاحيات تشريعية ورقابية مؤثرة في إقرار التمويل العسكري وآليات صرفه. وقد يصبح الدعم الأميركي موضع مراجعة متزايدة، خصوصاً إذا استمرت السياسات الإسرائيلية دون مراعاة للمواقف الأميركية والدولية.
ولا يعني ذلك أن التحالف الأميركي الإسرائيلي سينهار قريباً، لكنه قد ينتقل تدريجياً من الدعم المفتوح إلى علاقة أكثر ارتباطاً بالشروط والمساءلة والمصالح السياسية الأميركية.
ما بعد نتنياهو.. هل يكفي تغيير القيادة؟
إن مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لن يتوقف على بقاء بنيامين نتنياهو أو رحيله، بل على طبيعة السياسات التي ستنتهجها أي حكومة إسرائيلية مقبلة. فترميم الثقة مع الإدارة الأميركية والحزب الديمقراطي يتطلب تغييراً ملموساً في التعامل مع القضية الفلسطينية، ووقف التوسع الاستيطاني، واحترام القانون الدولي، وفتح أفق سياسي حقيقي يضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
خلاصة القول: إن الكونغرس الجديد قد لا ينجح فوراً في فرض قيود شاملة على إسرائيل، لكنه يفتح مساراً سياسياً وتشريعياً جديداً يصعب تجاهل تداعياته المستقبلية. فالتحول الحقيقي لا يقاس فقط بعدد مشاريع القوانين، بل بتغير المزاج الشعبي الأميركي واتساع دائرة المساءلة عن السياسات الإسرائيلية.
وبالنسبة للفلسطينيين، فإن هذه التطورات تمثل فرصة سياسية ودبلوماسية ينبغي استثمارها عبر تحرك فلسطيني موحد، وخطاب قانوني مدروس، وتواصل مؤسسي مع مراكز القرار الأميركي، بعيداً عن الرهان على تغير الإدارات وحده. فالمعيار الأساسي هو تحويل التحولات في الرأي العام الأميركي إلى مواقف عملية تحمي الحقوق الفلسطينية، وتنهي الاحتلال والاستيطان، وتفتح الطريق أمام سلام عادل قائم على قرارات الشرعية الدولية.



