من غزة إلى لبنان... نار الاحتلال واحدة وصمت العالم واحد

أبو شريف رباح

يونيو 4, 2026 - 12:47
من غزة إلى لبنان... نار الاحتلال واحدة وصمت العالم واحد

من غزة إلى لبنان... نار الاحتلال واحدة وصمت العالم واحد

أبو شريف رباح
4/6/2026

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 دخلت القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها مرحلة غير مسبوقة من العنف والدمار، فقد شنت إسرائيل حربا مدمرة على قطاع غزة تجاوزت في حجمها وأدواتها وأهدافها حدود الحروب التقليدية لتتحول إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع العربي _ الإسرائيلي.

فعلى امتداد ثلاثة سنوات تعرض قطاع غزة لقصف مكثف طال البشر والحجر والشجر واستهدف المنازل السكنية والمستشفيات والمدارس ودور العبادة ومراكز الإيواء ومخيمات النزوح ولم يقتصر الأمر على العمليات العسكرية فقط بل رافقها حصار خانق وتجويع ممنهج ومنع وصول المساعدات الإنسانية الإغاثية والطبية في محاولة لكسر إرادة شعب بأكمله وإخضاعه تحت وطأة الجوع والخوف والدمار، ولم تكن النتيجة سوى كارثة إنسانية غير مسبوقة في العصر الحديث. 

آلاف العائلات أُبيدت وشطبت من السجل المدني وأحياء كاملة مسحت عن الخارطة ومئات آلاف الفلسطينيين أُجبروا على النزوح القسري من مناطقهم بحثا عن مكان آمن لم يجدوه، فقطاع تحول بأكمله إلى ساحة حرب مفتوحة، وفي ظل هذا المشهد المأساوي بدت إسرائيل وكأنها تخوض حربا على الوجود الفلسطيني نفسه مستهدفة الإنسان والأرض وكل مقومات الحياة.

ومع استمرار الحرب على غزة انتقلت شرارة المواجهة إلى لبنان الذي أعلن مساندته للشعب الفلسطيني ورفضه للعدوان المتواصل على القطاع، فبدأت إسرائيل باستهداف القرى والبلدات الحدودية في جنوب لبنان مستخدمة سياسة الأرض المحروقة ذاتها التي اعتمدتها في غزة فدمّرت المنازل والمنشآت والبساتين وأُجبر عشرات الآلاف من اللبنانيين على مغادرة قراهم ومناطقهم هربا من القصف.

لكن العدوان لم يتوقف عند حدود الجنوب بل امتد ليشمل مناطق واسعة من الأراضي اللبنانية ووصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع ومناطق أخرى مخلفا دمارا كبيرا في الأبنية السكنية والبنية التحتية والمرافق العامة، وكما حدث في غزة كانت الرسالة الإسرائيلية أن لا خطوط حمراء أمام القوة العسكرية ولا اعتبار للقوانين الدولية أو للمواثيق الإنسانية التي يفترض أنها تحمي المدنيين أثناء الحروب.

إن المتابع لما جرى في غزة وما جرى في لبنان يلحظ بسهولة أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تقوم على مبدأ واحد، تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية عبر أكبر قدر ممكن من التدمير والضغط على البيئة المدنية فالمنازل تهدم والحقول تحرق والبنية التحتية تستهدف والسكان يدفعون نحو النزوح والتهجير، إنها سياسة (قتل البشر وحرق الشجر وتدمر الحجر) التي تترك وراءها أوطانا مثقلة بالجراح وذكريات لا تمحوها السنوات.

وفي المقابل يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج العاجز أو المتواطئ فباستثناء بعض بيانات الإدانة أو التعبير عن القلق لم تتخذ إجراءات حقيقية توقف القتل والتدمير، أما الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب فقد واصلت تقديم الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي لإسرائيل الأمر الذي عزز شعورها بأنها فوق المساءلة والقانون الدولي، حيث بدا واضحا عجز الأمم المتحدة في فرض تنفيذ قراراتها أو توفير الحماية للمدنيين بينما اكتفت المؤسسات الإقليمية بما فيها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بمواقف لم ترتقى إلى مستوى المأساة التي يعيشها الشعبان الفلسطيني واللبناني.

وفي خضم هذه التطورات برز اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل باعتباره نافذة أمل لوقف الدمار وإعادة الاستقرار إلى المناطق المنكوبة غير أن التجارب السابقة تجعل من الصعب التسليم بأن مجرد توقيع الاتفاق كافي لضمان نجاحه، فالقضية لا تتعلق بالنصوص المكتوبة بقدر ما تتعلق بوجود إرادة حقيقية لاحترامها وتطبيقها، لذلك فإن تجربة غزة تبقى المثال الأوضح على ذلك فكم من اتفاق وقرار دولي صدر وكم من دعوات أطلقت لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين لكن شيئا من ذلك لم ينجح في وقف آلة الحرب الإسرائيلية أو منع استمرار القتل والتدمير والحصار. 

ولهذا يحق للبنانيين كما يحق للفلسطينيين أن يتساءلوا، هل سيكون اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان مختلفا هذه المرة؟ أم أنه سيتحول إلى نسخة أخرى من الاتفاقات التي تلزم الضحية وتترك الجلاد حرا في مواصلة اعتداءاته؟ إن هذا السؤال لا يتعلق بلبنان وحده بل بمستقبل المنطقة كلها وبمصداقية النظام الدولي الذي يرفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان، فإذا استمرت إسرائيل في خرق الاتفاقات والقوانين الدولية دون محاسبة فإن الرسالة التي ستصل إلى العالم هي أن القانون يطبق على الضعفاء فقط أما الأقوياء فيبقون فوقه.

إن ما يجري في غزة ولبنان ليس مجرد مواجهة عسكرية بل حرب إبادة واختبار أخلاقي وسياسي وإنساني للعالم بأسره فإما أن تنتصر قيم العدالة والحرية وحق الشعوب في الحياة وإما أن يستمر منطق القوة والغلبة في رسم مستقبل المنطقة، ورغم حجم المأساة والدمار فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لا تهزم وأن الأوطان لا تقاس بحجم الركام الذي يخلفه العدوان بل بقدرة أبنائها على الصمود والنهوض من جديد، وستبقى غزة وجنوب لبنان شاهدين على زمن احترق فيه البشر والشجر والحجر لكنهما سيبقيان أيضا شاهدين على إرادة شعوب رفضت الانكسار وتمسكت بحقها في الحرية والكرامة والحياة.