"لا تُعيدوا الفقد مرّتين" بين حق التوثيق ووجع الأمهات
بقلم: د. منى أبو حمدية
"لا تُعيدوا الفقد مرّتين"
بين حق التوثيق ووجع الأمهات
بقلم: د. منى أبو حمدية
في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أسرع من الخبر، والفيديو أكثر انتشاراً من الكلمة، باتت لحظات الألم الخاصة تُعرض أحياناً أمام ملايين المشاهدين بضغطة زر، دون الالتفات إلى ما تتركه من آثار نفسية عميقة في نفوس أصحاب الوجع الحقيقيين.
لا أحد ينكر أهمية توثيق الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها أبناء شعبنا الفلسطيني، ولا أحد يجادل في ضرورة حفظ الأدلة التي تكشف الحقيقة أمام العالم وتُسهم في ملاحقة مرتكبي الجرائم قانونياً. لكن ثمة فارقاً كبيراً بين التوثيق من أجل العدالة، وبين تداول المشاهد الصادمة على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تصبح مادةً يومية تتكرر أمام أعين ذوي الشهداء وعائلاتهم.
ولعل ما دفعني إلى كتابة هذه الكلمات هو ما عايشته أثناء زيارتي لقرية سالم شرق نابلس لتأدية واجب العزاء بالشهيد عماد هارون محمود اشتية، رحمه الله تعالى وتقبله في عليين، وذلك برفقة زميلاتي الفتحاويات. هناك لمستُ وجعاً يفوق الوصف، وسمعتُ كيف نُقلت والدة الشهيد إلى المستشفى بعد تدهور حالتها الصحية إثر تلقيها نبأ استشهاد ابنها، في مشهدٍ يلخص حجم الألم الذي يرافق العائلات عند فقدان فلذات أكبادها.
ولم يكن الشهيد عماد هارون محمود اشتية، البالغ من العمر ستةً وعشرين عاماً، سوى واحدٍ من آلاف الشبان الفلسطينيين الذين يخرجون كل يوم بحثاً عن فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم وتساعدهم على بناء مستقبلهم. لقد كان يسعى وراء لقمة العيش، شأنه شأن كثير من أبناء شعبنا الذين دفعتهم الظروف الاقتصادية القاسية إلى طرق أبواب الرزق في كل اتجاه.
غير أن رحلته بحثاً عن العمل انتهت بصورة مأساوية، بعدما أصيب برصاص الاحتلال قرب جدار الفصل العنصري في بلدة الرام، ليرتقي متأثراً بإصابته، شاهداً جديداً على المعاناة التي يعيشها العامل الفلسطيني في ظل واقع يزداد قسوةً وتعقيداً يوماً بعد يوم.
إن قصة الشهيد عماد لا تختصر مأساة فردٍ واحد، بل تعكس جانباً من الواقع الإنساني والاجتماعي الذي يعيشه كثير من أبناء شعبنا. فخلف كل شهيد حكاية إنسانية، وأحلام مؤجلة، وأم تنتظر عودة ابنها، وأب يرى فيه سنداً للمستقبل، وإخوة وأصدقاء ومحبون تتعلق قلوبهم به وبحضوره بينهم.
ومن هنا، فإن مشاهد الاستشهاد ليست مجرد مقاطع مصورة؛ إنها لحظات فارقة ومؤلمة تختزنها ذاكرة العائلة إلى الأبد. وحين تُنشر هذه المشاهد وتُعاد مشاركتها على نطاق واسع، فإنها لا توثق الحدث فحسب، بل تعيد إنتاج الصدمة في كل مرة تُشاهَد فيها.
ويؤكد المختصون في علم النفس الاجتماعي أن تكرار مشاهدة لحظات الفقد العنيفة يترك آثاراً نفسية قاسية على ذوي الضحايا، وقد يساهم في إطالة أمد الحزن وتعميق الجراح النفسية. فالأم لا تشاهد مشهداً عادياً، بل تستعيد لحظة فقدان ابنها بكل ما تحمله من ألم وانكسار. والأب لا يرى مجرد صورة، بل يرى سنوات من التعب والأمل والذكريات تمر أمامه في لحظة واحدة.
إن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تفرض علينا أن نفكر في أثر ما ننشره قبل أن نضغط زر المشاركة. فليس كل ما يمكن نشره ينبغي نشره، وليس كل ما يصل إلى هواتفنا يستحق أن يتحول إلى مادة متداولة بين الناس.
نعم، يجب توثيق الجرائم والانتهاكات، لكن مكان هذه المواد هو المؤسسات الحقوقية والهيئات القانونية والمحاكم الدولية والجهات المختصة القادرة على توظيفها في خدمة العدالة وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها. أما تحويلها إلى مشاهد متكررة على صفحات التواصل الاجتماعي، فإنه قد يحقق انتشاراً واسعاً، لكنه في المقابل يضيف ألماً جديداً إلى قلوب العائلات التي لم تلتئم جراحها بعد.
ومن هذا المنطلق، فإنني أناشد الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، والعاملين في وسائل الإعلام، وكل من تصل إليه مثل هذه المقاطع، أن يتعاملوا معها بمسؤولية أكبر، وأن يضعوا أنفسهم مكان أم الشهيد أو أبيه أو إخوته قبل نشرها أو إعادة تداولها.
وما لفت انتباهي خلال زيارة بيت العزاء، وما سمعته من أهالي قرية سالم، أن الشهيد عماد كان شاباً طيباً خلوقاً، محبوباً بين الناس، يحظى باحترام الجميع وتقديرهم. وقد أجمع من عرفوه على حسن أخلاقه وطيب معشره وسيرته الحسنة، وهي الشهادة التي تبقى للإنسان بعد رحيله، وتجعله حاضراً في القلوب رغم الغياب.
رحم الله الشهيد عماد هارون محمود اشتية رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وألهم والدته وأهله ومحبيه جميل الصبر وحسن السلوان.
فلنحفظ للشهداء كرامتهم، ولعائلاتهم حقهم في الحزن الكريم، ولنجعل من التوثيق وسيلةً لتحقيق العدالة، لا سبباً في تجديد الألم.



