المناطق التجريبية في جنوب لبنان: هدنة مؤقتة أم إعادة رسم للخريطة الاستراتيجية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يونيو 4, 2026 - 14:50
المناطق التجريبية في جنوب لبنان: هدنة مؤقتة أم إعادة رسم للخريطة الاستراتيجية؟

المناطق التجريبية في جنوب لبنان: هدنة مؤقتة أم إعادة رسم للخريطة الاستراتيجية؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز الاتفاق اللبناني الإسرائيلي الأخير بشأن إنشاء ما سُمّي بـ"المناطق التجريبية" في جنوب لبنان بوصفه تطوراً يتجاوز في أبعاده مجرد ترتيبات أمنية ميدانية أو إجراءات مؤقتة لوقف إطلاق النار. فالمسألة في جوهرها ترتبط بمحاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وإعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية التي حكمت الحدود اللبنانية الفلسطينية منذ عقود.
إن القراءة المتأنية للبيان المشترك الذي أعلن عقب الاجتماع الثلاثي برعاية الولايات المتحدة تكشف أن الحديث لا يدور فقط عن وقف لإطلاق النار، بل عن مشروع سياسي وأمني متكامل يهدف إلى إنشاء مناطق خالية من السلاح غير الحكومي جنوب نهر الليطاني، تتولى فيها الدولة اللبنانية ممثلة بجيشها وأجهزتها الأمنية المسؤولية الكاملة عن الأمن والسيادة.
من الناحية المبدئية، لا يمكن الاعتراض على مبدأ بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، فهو حق سيادي أصيل تكفله القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 1701 الصادر بعد حرب تموز عام 2006. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل تمثل هذه الخطوة تطبيقاً للشرعية الدولية أم أنها مدخل لترتيبات سياسية وأمنية جديدة تُفرض تحت ضغط موازين القوى العسكرية؟
الولايات المتحدة تبدو اليوم مصممة على فصل الملف اللبناني عن بقية ساحات الصراع الإقليمي، ولا سيما عن المواجهة المفتوحة مع إيران. ومن هنا تأتي أهمية هذه المبادرة بالنسبة لواشنطن، التي ترى في استقرار الحدود اللبنانية الإسرائيلية مدخلاً لتخفيف التوترات الإقليمية وإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة.
أما إسرائيل، فإنها تنظر إلى هذه الترتيبات باعتبارها فرصة لتحقيق أهداف استراتيجية عجزت العمليات العسكرية المتعاقبة عن تحقيقها بصورة كاملة، وفي مقدمتها إبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية وتقليص قدراته العسكرية والعملياتية. لذلك لم يكن مستغرباً أن يربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بين نجاح هذه الترتيبات وبين مشروع أوسع لتجريد حزب الله من سلاحه وإعادة تشكيل الواقع الأمني اللبناني.
في المقابل، ينظر حزب الله إلى هذه المبادرة بعين الريبة والحذر، باعتبارها خطوة أولى نحو استهداف دوره وموقعه داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية. فالحزب الذي يعتبر نفسه جزءاً من منظومة الردع في مواجهة إسرائيل، يرى أن أي انسحاب أو إعادة انتشار لا بد أن يكون جزءاً من تسوية شاملة تتضمن ضمانات متبادلة، لا مجرد ترتيبات أمنية أحادية الجانب.
ومن هنا فإن نجاح أو فشل هذه التجربة لن يتوقف على التفاهمات اللبنانية الإسرائيلية وحدها، بل سيتأثر بصورة مباشرة بمواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران. فلبنان كان وما زال ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وأي محاولة لإعادة هندسة الواقع الأمني فيه لا يمكن فصلها عن المشهد الإقليمي الأوسع.
قانونياً، تستند المبادرة إلى قرارات دولية قائمة، لكنها تظل بحاجة إلى ضمانات واضحة لاحترام السيادة اللبنانية ومنع أي انتهاكات إسرائيلية مستمرة للأراضي اللبنانية. فاستدامة السلام لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما باحترام القانون الدولي ومعالجة جذور النزاع وأسبابه السياسية والأمنية.
إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان قد يكون بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع، لكنه ليس بالضرورة مقدمة لسلام شامل. فالمنطقة لا تزال تعج بالأزمات المفتوحة، والقضايا الجوهرية المرتبطة بالأراضي المحتلة والحدود والأمن الإقليمي ما زالت بعيدة عن الحل.
وعليه، فإن "المناطق التجريبية" قد تكون اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسويات، لكنها في الوقت ذاته تمثل اختباراً لمدى قدرة المجتمع الدولي على ضمان أن تكون هذه الترتيبات خطوة نحو الاستقرار الدائم، لا مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه موازين القوى، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد بداية مسار سياسي جديد في لبنان والمنطقة، أم أننا أمام استراحة قصيرة في حرب لم تنتهِ فصولها بعد؟