يهودية الدولة وإسرائيل الليبرالية: إشكالية التوفيق بين القومية والديمقراطية في طرح إيزنكوت
يهودية الدولة وإسرائيل الليبرالية: إشكالية التوفيق بين القومية والديمقراطية في طرح إيزنكوت
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
يعيد طرح غادي إيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق وأحد أبرز وجوه التيار السياسي الوسطي، بشأن إقامة إسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية، فتح نقاش دستوري وسياسي يتجاوز الخلافات الحزبية، ليطال طبيعة الدولة ومفهوم المواطنة والمساواة، وحدود التوفيق بين الهوية القومية اليهودية والديمقراطية المدنية.
وتكمن أهمية هذا الطرح في علاقته بقانون أساس: إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي، الذي أقره الكنيست في 19 تموز/يوليو 2018، ونص على أن حق تقرير المصير القومي في إسرائيل يخص الشعب اليهودي وحده، كما أكد مكانة القدس عاصمة للدولة، وجعل العبرية لغة الدولة، ومنح اللغة العربية مكانة خاصة، واعتبر تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية.
وتبرز الإشكالية القانونية في أن القانون كرّس الهوية القومية اليهودية دستورياً، دون أن يتضمن نصاً صريحاً يضمن المساواة الدستورية لجميع المواطنين، بمن فيهم المواطنون العرب الفلسطينيون. وهنا يظهر التناقض بين مفهوم الدولة القومية الحصرية ومبادئ الديمقراطية الليبرالية القائمة على المساواة وعدم التمييز.
ينطلق إيزنكوت من محاولة إعادة التوازن بين يهودية الدولة وطابعها الديمقراطي، بالاستناد إلى إعلان الاستقلال الإسرائيلي لعام 1948، الذي تضمن تعهداً بالمساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع السكان دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس. غير أن هذا التوجه يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكفي إعادة التأكيد على مبادئ إعلان الاستقلال، أم أن الأمر يتطلب تعديلاً دستورياً لقانون القومية وإضافة بند صريح للمساواة؟
وتتصل هذه الإشكالية أيضاً باستقلال القضاء، ولا سيما المحكمة العليا، في ظل الخلافات حول التعديلات القضائية التي طرحتها حكومات اليمين. كما تمتد إلى العلاقة بين الدين والدولة، ومكانة الحاخامية الرسمية، وقضايا الزواج والأحوال الشخصية، وتجنيد الحريديم، وما تثيره من خلاف حول المساواة في تحمل الأعباء الوطنية.
ومن الناحية الاستراتيجية، يربط إيزنكوت بين التماسك الاجتماعي والأمن القومي، إذ إن اتساع الانقسامات الداخلية والتفاوت في الالتزامات العسكرية يثيران تساؤلات حول قدرة المؤسسات الإسرائيلية على الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. كما أن صورة إسرائيل أمام الولايات المتحدة والدول الغربية ترتبط، إلى جانب المصالح السياسية والأمنية، بمدى احترامها للمؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون.
أما مصير قانون القومية، فيبقى محوراً أساسياً في هذا النقاش. فالقانون لا يزال نافذاً، بعدما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية في 8 تموز/يوليو 2021 الالتماسات المطالبة بإبطاله، بأغلبية عشرة قضاة مقابل قاضٍ واحد، مع التأكيد على ضرورة تفسيره بما ينسجم مع المنظومة الدستورية. وتنص المادة الحادية عشرة منه على عدم جواز تعديله إلا بقانون أساس يحظى بموافقة أغلبية أعضاء الكنيست.
وبالتالي، فإن حديث إيزنكوت عن إسرائيل الليبرالية لا يعني تلقائياً التوجه إلى إلغاء قانون القومية أو تعديله؛ فذلك يحتاج إلى قرار سياسي ومسار تشريعي واضح، يتضمن ضمانات دستورية صريحة للمساواة وعدم التمييز.
وفي المقابل، لا يمكن حصر الاختبار الديمقراطي داخل حدود المجتمع الإسرائيلي، في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير. فالديمقراطية لا تنفصل عن احترام حقوق الشعوب، ولا يجوز استخدام الهوية القومية مبرراً للسيطرة على شعب آخر أو الانتقاص من حقوقه الوطنية.
الخلاصة أن الجمع بين الهوية القومية والديمقراطية ممكن نظرياً، لكنه يتطلب مساواة دستورية فعلية، لا مجرد شعارات سياسية. وسيظل طرح إيزنكوت موضع اختبار بمدى ترجمته إلى تشريعات وممارسات، وبموقفه من الحقوق المتساوية للمواطنين العرب، ومن إنهاء الاحتلال والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية مكتملة في ظل ازدواجية المعايير، ولا عن سلام واستقرار إقليميين دون احترام القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



