جبريل الرجوب والمسؤولية عن الممكن  الحفاظ على النظام السياسي والوحدة الوطنية كضرورة

محمد قاروط أبو رحمه

نوفمبر 2, 2026 - 10:35
جبريل الرجوب والمسؤولية عن الممكن  الحفاظ على النظام السياسي والوحدة الوطنية كضرورة

جبريل الرجوب والمسؤولية عن الممكن

 الحفاظ على النظام السياسي والوحدة الوطنية كضرورة

محمد قاروط أبو رحمه

مقدمة

في لقاء مع الأخ جبريل الرجوب، امين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، ركز على أمرين أراهما من الأولويات التي نستطيع العمل جميعا من أجلهما كل من موقعه، ذلك رغم تعقيد الواقع الفلسطيني:

 الحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس أكثر ثباتا كضرورة    للحفاظ؛ وتطوير المشروع الوطني

لم يكن اختياره لهذين الأمرين تقليلًا من حجم المشروع الوطني أو اختزالًا لأهدافه، بل انطلاقًا من سؤال المسؤولية: ما الذي نستطيع القيام به الآن، بالإمكانات المتاحة، وفي ظل المخاطر المحيطة بنا، دون أن نفرط بما أنجزناه أو نغامر بما يصعب تعويضه؟

من هنا تأتي فكرة هذا المقال: المسؤولية لا تبدأ فقط من إدراك ما نريد، بل من تحديد ما نستطيع فعله، وتحويل الممكن إلى عمل، والعمل إلى قدرة أوسع على تحقيق أهدافنا الوطنية.

لا يختلف اثنان على حجم الأزمة الفلسطينية، ولا على ضرورة إعادة بناء المشروع الوطني وتطوير مؤسساته. لكن المسؤولية لا تقف عند تشخيص الواقع أو تحديد ما نريده؛ إنها تبدأ من الفجوة بين ما ندركه وما نستطيع القيام به.

نحن نواجه مشروعا غربيا صهيونيا يمتلك قوة عسكرية بما فيها أسلحة الدمار الشامل، وقوة اقتصادية ودعما أميركيًا متعدد الأوجه وواسعًا بلا حدود، في ظل إمكانات فلسطينية محدودة ووضع اقتصادي خانق، وحرب إبادة في غزة، وتهويد للقدس، وتصاعد إرهاب المستوطنين.

ويجري كل ذلك في إقليم متفجر، من مضيق هرمز إلى باب المندب الى سواحل البحر الابيض المتوسط، وعالم منشغل بالحرب الروسية الأوكرانية، وبالصراع الأميركي الصيني على الاقتصاد والتكنولوجيا، وبالتحولات نحو نظام دولي متعدد الأقطاب

هذه الظروف لا تعفينا من المسؤولية، لكنها تفرض علينا تقدير الإمكانات والمخاطر والعواقب. فلا يكفي أن نعرف ما نريد بناءه؛ علينا أن نعرف كيف نبنيه، وبأي إمكانات، ومن أين نبدأ، وما الذي يجب الحفاظ عليه أثناء ذلك.

ليس من المسؤولية أن نغامر بما أنجزناه بحثا عما نأمل أن ننجزه. المسؤولية أن نحمي منجزاتنا، ونطورها، ونستعيد فاعليتها، ونوسع قدرتنا على الفعل، خطوة بعد خطوة

من تشخيص الواقع إلى تحمل المسؤولية

قد يكون تشخيص الأزمة دقيقًا، وقد تكون الأهداف التي نطرحها مشروعة وضرورية، لكن ذلك لا يكفي وحده. فهناك فرق بين أن نحدد ما نريد، وأن نمتلك القدرة على تحقيقه

المسؤولية تقتضي أن نميز بين ثلاثة مستويات: ما نطمح إلى تحقيقه، وما نستطيع العمل عليه الآن، وما نحتاج إلى تهيئة شروطه وإمكاناته حتى يصبح ممكنا في المستقبل

هذا التمييز لا يعني خفض سقف الطموح، ولا التكيف مع الواقع كما هو، بل يعني اختيار نقطة بداية واقعية، وترتيب الأولويات، وتجنب خطوات قد تتجاوز قدرتنا على تحمل نتائجها

فالواقعية ليست استسلاما للواقع، والطموح ليس إنكارا له. وبينهما تقع مسؤولية التقدير والاختيار والعمل

أولويتان تقعان ضمن الممكن

في لقاء مع الأخ جبريل الرجوب، امين س اللجنة المركزية لحركة فتح، ركز على أمرين أراهما ضمن الممكن العمل من أجلهما في هذا الوضع الفلسطيني المعقد:

الحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس أكثر ثباتا

قد يبدو الأمران بديهيين، لكنهما في واقعنا الراهن ليسا مضمونين، ولا يتحققان بمجرد الدعوة إليهما.

الحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني يعني حماية الإطار الوطني والمؤسسات القائمة، ومنع الفراغ السياسي والمؤسسي، والعمل على إصلاح هذه المؤسسات وتطويرها واستعادة فاعليتها. ولا يعني ذلك أن النظام القائم مكتمل، أو أن مؤسساته خالية من الخلل، أو أن الحفاظ عليه يقتضي إبقاء كل شيء على حاله.

أما الوحدة الوطنية، فهي شرط لاستعادة القدرة الفلسطينية على الفعل، وإدارة الاختلاف، وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات. ولا تعني إلغاء التعددية أو تجاهل الخلافات، بل تعني إيجاد إطار وطني قادر على تنظيمها، والاتفاق على القواسم المشتركة، وتحديد الأولويات التي يمكن العمل عليها معا.

هذان الأمران ليسا نهاية المشروع الوطني، ولا بديلًا عن أهدافه الكبرى، بل هما من شروط حماية ما أنجزناه، واستعادة قدرتنا على مواصلة النضال واستكمال ما لم ننجزه بعد.

إن البدء بهما يقدم مثالًا عمليًا على معنى المسؤولية: أن نبحث عن المساحات التي نستطيع التحرك فيها، وأن نعمل على توسيعها بدل أن نستهلك طاقاتنا في خلافات تتجاوز قدرتنا على حسمها في الوقت الراهن.

الإمكانات ليست أعذارًا

محدودية الإمكانات لا تعني التوقف عن العمل، كما أن إدراك صعوبة الواقع لا يبرر الاكتفاء بوصفه. لكنها تفرض علينا أن نحسن استخدام ما نملك، وأن نرتب أولوياتنا، وأن نميز بين الخطوات التي توسع قدرتنا على الفعل والخطوات التي قد تستنزفها. قبل الإقدام على أي خطوة، علينا أن نسأل:

1-    ما الذي نستطيع القيام به الآن؟

2-    ما الإمكانات المتاحة لدينا؟

3-    ما الذي ينقصنا، وكيف يمكن توفيره؟

4-    ما المخاطر التي قد تنتج عن هذه الخطوة؟

5-    هل توسع قدرتنا على العمل مستقبلًا، أم تستنزف ما نملكه اليوم؟

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى التردد، بل إلى الفعل المسؤول. فليس كل تأجيل عجزًا، وليس كل اندفاع شجاعة؛ أحيانًا يكون تقدير التوقيت وحساب العواقب جزءًا من قوة القرار.

نحافظ على ما أنجزناه ونبني عليه

في التجربة الفلسطينية، لم تأتِ المؤسسات الوطنية من فراغ. فقد تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية، وانتزعت الاعتراف بها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، كما نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها إطارًا مؤسسيًا وطنيًا على جزء من الأرض الفلسطينية، في سياق السعي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتم كل ذلك على أساس التعددية السياسية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

هذه منجزات تحققت عبر مسيرة طويلة من النضال والتضحيات، ولا يصح التعامل معها باعتبارها أعباء ينبغي التخلص منها لمجرد أنها تعاني من أوجه خلل أو قصور.

ليس المقصود تقديس هذه المؤسسات أو إنكار حاجتها إلى المراجعة والإصلاح، بل التمييز بين نقد أدائها والتخلي عن وجودها، وبين تطوير وظائفها والمخاطرة بتفكيكها.

ليس كل ما يحتاج إلى إصلاح يحتاج إلى تفكيك، وليس كل ما يمكن تفكيكه يمكن إعادة تركيبه.

علينا أن ننطلق مما أنجزناه، ونصلح ما أخطأنا فيه، ونستعيد الوظائف التي تراجعت أو تعطلت، ونوسع المشاركة والتمثيل، ونطور المؤسسات بما يخدم أهدافنا الوطنية.

فالنقد مسؤولية، والتطوير مسؤولية، لكن المخاطرة بالمنجز دون تقدير عواقبها ليست شجاعة.

من الممكن اليوم إلى الممكن غدًا

الممكن ليس حالة ثابتة أو سقفًا نهائيًا. ما نستطيع القيام به اليوم يمكن أن يهيئ لنا إمكانات أوسع غدًا، إذا أحسنا العمل والتعلم من نتائجه.

وهنا تبرز أهمية دورة عمل متصلة:

إدراك الواقع، تحديد الممكن، اختيار الأولويات، العمل، تحليل النتائج، التعلم، التصحيح والتطوير، عمل أفضل.

لا ننتظر اكتمال الفهم حتى نبدأ العمل، ولا نتوقف عن التفكير بعد اتخاذ القرار. فالعمل نفسه ينتج معرفة، والتجربة تكشف ما لم يكن ظاهرًا، وتحليل النتائج يساعدنا على تصحيح المسار.

الحركة ليست نتيجة الفهم فقط، بل أحد شروط إنتاج الفهم. ومن هنا تأتي أهمية أن نعمل بما نملك، ونتعلم من نتائج عملنا، ونطور قدرتنا على إنجاز ما كان متعذرًا علينا في السابق.

المسؤولية أن نحمي المستقبل

المسؤولية لا تعني أن ننجز كل شيء دفعة واحدة، ولا أن نغامر بكل ما نملك من أجل احتمال غير مضمون. إنها تعني أن نعرف متى نبادر، ومتى نرتب الخطوات، ومتى نعيد التقدير، ومتى نتمسك بما لا يجوز التفريط فيه.

في الظروف المعقدة، لا تقاس قوة القرار بحجم ما يعلنه من أهداف فقط، بل بقدرته على تحقيق تقدم حقيقي، وحماية ما تحقق، وتجنب خسائر لا نستطيع تعويضها.

إن الحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني والوحدة الوطنية، وإصلاح المؤسسات وتطويرها، واستعادة فاعليتها، ليست مهامًا هامشية أو بدائل عن المشروع الوطني. إنها أعمال ممكنة وضرورية، ويمكن أن تشكل قاعدة لتوسيع القدرة الفلسطينية على مواجهة التحديات وتحقيق الأهداف الوطنية.

المسؤولية تبدأ من الفجوة بين ما ندركه وما نستطيع فعله؛ بأن نحول الممكن إلى إنجاز، والإنجاز إلى قدرة جديدة، والقدرة الجديدة إلى إمكانات أوسع.

فالمستقبل لا يُبنى بما نتمناه وحده، بل بما نستطيع إنجازه اليوم، وبما نهيئ أنفسنا ومؤسساتنا لإنجازه غدًا.