بوصلة الغاية: لماذا الاتجاه هو الأهم؟

محمد قاروط أبو رحمه

مايو 3, 2026 - 09:22
بوصلة الغاية: لماذا الاتجاه هو الأهم؟

بوصلة الغاية: لماذا الاتجاه هو الأهم؟

 

محمد قاروط أبو رحمه

مقدمة

هذا النص محاولة لقراءة العلاقة بين الاتجاه والنقد بوصفهما أداتين لفهم الواقع وصناعة المستقبل، لا مجرد تقييم له. فهو ينطلق من فكرة أن الموقع يصف ما نحن عليه، بينما الاتجاه يحدد ما يمكن أن نصبح عليه، وأن النقد ليس حكماً على الماضي بقدر ما هو جسر يصل ما حدث بما يمكن أن يحدث.

 

ومن هذا المنظور، يتناول النص أسئلة المنهج قبل أحكام الوقائع: هل يُقاس الماضي بأدواته أم بأدوات الحاضر؟ هل النقد وصف أم بناء؟ وهل يمكن للاتجاه أن يُفهم دون فهم طبيعة النقد الذي يصوغه؟

 

كما يتوقف عند تجارب سياسية بعينها بوصفها تطبيقاً عملياً لهذه الإشكالات، لا استثناءً منها، ليخلص إلى أن قيمة النقد لا تُقاس بحدّته، بل بقدرته على إنتاج بوصلة للاتجاه، لا مجرد حكم على ما مضى.

1-    الحاضر: سجن التفاصيل أم نقطة انطلاق؟

نحن نعيش "الآن" بكل تفاصيله؛ ندرك مكاننا، حجم إنجازاتنا، وعقباتنا. فالموقع الحالي هو "الواقع" الذي لا يحتاج إلى بصيرة لرؤيته. لكن الغرق في تفاصيل المكان قد يحوّله إلى سجن إذا غاب عنه الأفق.

 

2-   الاتجاه: من أين أنت إلى من ستكون؟

تكمن أهمية الاتجاه في كونه القوة التي تُحرّرنا من ثبات اللحظة. فبينما يخبرك موقعك "أين أنت"، يخبرك اتجاهك "من ستكون". هو المسار الذي يحدد جودة قراراتك؛ فكل خطوة لا تقودك نحو غايتك هي خطوة في الفراغ، مهما كانت سريعة.

الاتجاه هو الذي يرسم لك "كيف نصل"، فيحوّل العقبات إلى محطات للتزود بالخبرة. وهو الذي يختار لك "مع من نصل"، لأن المسارات الواضحة تجذب فقط من يشبهوننا في الشغف والوجهة.

 

3-   المكان والرحلة: الفرق بين الثبات والحركة

المكان هو مجرد نقطة على الخريطة، أما الاتجاه فهو الرحلة بأكملها. إن لم تكن تعرف إلى أين تتجه، فلا يهم أين أنت الآن، لأنك ستظل واقفاً حتى وأنت تتحرك.

 

4-   النقد كبوصلة: من الحكم إلى تحديد الاتجاه

والنقد هو الجسر الذي يصل ما قد حدث بالاتجاه؛ فهو لا يقف عند حدود الوصف أو التقييم، بل يمتد ليعيد ربط الماضي بالمسار الممكن. لذلك يمكن للمتأمل أن يستخرج من النقد "بوصلة الناقد": أي المنطلقات التي حكم بها، والغاية التي يقترب منها أو يبتعد عنها من خلال حكمه.

 

5-    الناقد وسكة المعنى: كيف تكشف الأدوات الأهداف؟

بل إن الناقد يمكن النظر إليه كمن يضع "سكة حديد" فكرية، يحدد من خلالها مسار الحركة الممكنة، ثم يحاول أن يجرّ عبرها عربات من الوقائع والتجارب السابقة، بحيث لا تسير إلا بما يتوافق مع طبيعة السكة التي اختارها هو. ومن هنا، فإن ما يبدو موضوعياً في النقد قد يحمل في داخله اتجاهه المسبق، لأن نوع السكة يكشف طبيعة البوصلة التي حكمت في بنائها.

ولذلك فإن معرفة اتجاه الناقد لا تُستخلص فقط من أحكامه، بل من طبيعة "السكة" التي يضعها: ما الذي يعتبره صالحاً للحركة وما الذي يستبعده؟، وما نوع المسار الذي يراه ممكناً أو مستحيلاً؟

 

6-    التاريخ لا يعود: حدود الاستدراك على ما انتهى

ولأنه لا يمكن عكس الزمن، فإن الاستدراك على ما قد حدث لا يُعد دليلاً على صحة ما حدث أو خطئه، بل هو إعادة قراءة لاحقة لا تغيّر من حقيقة وقوعه شيئاً. فالماضي ثابت، بينما فهمنا له متغير.

 

7-   النقد كفعل تابع: قاعدة "التابع تابع" وإطار الفهم

ومن هنا، فإن النقد مهما بدا صحيحاً فهو تابع، وليس أصيلاً في ذاته؛ لأنه مرتبط بالفعل أو الفكرة التي ينقدها، لا قائم بذاته استقلالاً. وقد قررت مجلة الأحكام العدلية قاعدة دقيقة في هذا المعنى: "التابع تابع، ولأن التابع تابع فإنه لا يفرد بالحكم"؛ أي أن ما كان تابعاً لغيره لا يُعامل ككيان مستقل في الحكم، بل يأخذ حكم متبوعه.

 

8-   بين النقد على العيان والنقد على الظن

السؤال الملح هنا: هل يصح النقد على الظن، أم أن النقد لا يصح إلا على عيان؟

الأصل في النقد الرصين أنه يقوم على معطيات قابلة للملاحظة أو التحقق؛ أي على "نقد العيان": فعل وقع، قرار اتُّخذ، أو أثر تحقق في الواقع. هذا النوع أقرب إلى الموضوعية، لأنه ينطلق من شيء موجود يمكن الاتفاق على وجوده، رغم اختلاف التفسير حوله.

أما النقد على الظن، فهو نقد يتأسس على تقدير النيات أو استنتاجات غير مكتملة أو تصورات مسبقة عن الفعل دون إحاطة كافية به. وهذا النوع يظل هشّاً، لأنه لا يناقش الواقع كما هو، بل يناقش صورة ذهنية عنه.

ومع ذلك، فإن الواقع السياسي والاجتماعي لا يخلو من النقد الظني، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتحول من احتمال وتقدير إلى حكم نهائي.

وفي هذا السياق، فإن حركة فتح، بوصفها حركة المبادرات والفعل الأول منذ انطلاقتها، تعرضت لنقد ظني انطباعي أضعاف ما تعرضت له من نقد على عيان. أي أن كثيراً من الأحكام التي وُجهت إليها لم تكن مبنية على تحليل منجزاتها الفعلية أو آثار أفعالها، بقدر ما كانت مبنية على تصورات مسبقة أو انطباعات عن أدوارها واتجاهاتها.

وهنا تتضح الإشكالية: كلما ابتعد النقد عن العيان واقترب من الظن، ازداد تأثره بالتصورات المسبقة لا بالوقائع، وتحول من أداة فهم إلى أداة إسقاط.

 

9-   السؤال الملح الاول: هل يصح نقد ما قد حدث بأدوات الحاضر؟

هذا السؤال يلامس جوهر العلاقة بين الزمن والمعرفة والبيئة، بوصفها الإطار الذي تتشكل فيه القرارات وتُفهم ضمنه. فالحاضر يملك أدوات تحليل أكثر تطوراً، ومعارف أوسع، ويعمل ضمن بيئة مختلفة في شروطها (الدولية، السياسية، الاقتصادية، الجغرافية، الثقافية، الفكرية، القانونية، والتكنولوجية، إضافة إلى موازين القوى)، مما يمنحه قدرة أعلى على الفهم، ولذلك يصح استخدامه في قراءة الماضي..

لكن الإشكال لا يكمن في استخدام أدوات الحاضر، بل في تحويلها إلى محكمة زمنية تحاكم الماضي بمعايير لم تكن متاحة له، أو تفترض أن وضوح اليوم كان متاحاً بالأمس.

وتأسيساً على هذا الفهم، فإن نقد ما قد حدث بأدوات الحاضر لا يصح أن يكون حكماً على الماضي، بل ينبغي أن يكون وسيلة لاستخلاص الدروس وفهم المسارات.

فأدوات الحاضر تُستخدم هنا لا لإدانة ما وقع، بل لإعادة قراءته بوعيٍ أعمق، واستخراج ما يمكن البناء عليه. وبهذا المعنى، يتحول النقد من فعلٍ يقطع مع الماضي إلى فعلٍ يربطه بالمستقبل، ومن منطق الحكم إلى منطق التعلّم.

 

10-                     نقد ما بعد أوسلو: بين الفهم وإعادة التأسيس

وإذا كان مسار التسوية في اتفاق أوسلو متعثراً، أو اعتُبر غير موفق، أو شابته أخطاء في التوقيع أو في إدارة المسار اللاحق له، فإن ذلك لا يعني إمكان العودة إلى ما قبله، لأن العودة إلى الوراء في الزمن والتاريخ أمر مستحيل. إن الماضي لا يُستعاد، بل يُفهم ويُراجع ويُستفاد منه.

 

11-                     الإيجابيات قبل السلبيات: منهج نقدي متوازن

كما أن نقد ما قد حدث وانتهى لا ينبغي أن يقتصر على تتبع السلبيات، بل يجب أن يبدأ بقراءة الإيجابيات قبل السلبيات، لأن أي مسار بشري لا يخلو من قيمة أو إنجاز يمكن البناء عليه.

ويشمل النقد الجاد أيضاً الإجابة عن ثلاثة أسئلة محورية:

السؤال الملح الأول: هل يصح نقد ما قد حدث بأدوات الحاضر؟ تمت الإجابة عليه في العنوان الفرعي (رقم 9)

السؤال الملح الثاني: كيف نعزز الإيجابيات ونبني عليها؟

السؤال الملح الثالث: ما هو بديل السلبيات وكيف نتجاوزه إلى مسار أفضل؟

هذه الأسئلة ليست مجرد أدوات تحليل، بل هي إطار يوجّه النقد من كونه ممارسة توصيفية إلى كونه ممارسة بنائية، تُنتج فهماً أعمق ومسارات أكثر قابلية للحياة.

 

12-                     النقد الهدام مقابل النقد البناء

ومن هذا المنطلق، فإن النقد الذي لا يرى في اتفاق أوسلو ورسائل الاعتراف المتبادل نقاط قوة وإنجازات يمكن البناء عليها، هو نقد ناقص في منهجه، وقد يتحول إلى نقد هدام لا يفتح أفقاً بديلاً، لأنه يهدم دون أن يقدّم مساراً أو بوصلة اتجاه.

 

13-                     من النقد إلى البوصلة: إعادة بناء الاتجاه

وبهذا الفهم، يصبح الاتجاه هو الأصل، والنقد وسيلة إضاءة لا بد أن تُقرأ في سياقها، لا أن تتحول إلى غاية بذاتها. فالبوصلة الحقيقية ليست في وصف الطريق بعد قطعه، بل في تحديد الوجهة قبل السير فيه.

 

خاتمة وخلاصة:

في النهاية، لا يقوم هذا النص على تفضيل اتجاهٍ على نقد، بل على إعادة تعريف العلاقة بينهما؛ فالاتجاه هو ما يمنح المعنى للحركة، والنقد هو ما يمنح الوعي لطبيعة هذا الاتجاه وحدوده وإمكاناته. غير أن النقد لا يكون منتجاً إلا إذا تحرر من كونه حكماً على الماضي، وتحول إلى أداة للفهم والبناء، تستفيد من معطيات الحاضر دون أن تسقطها ظلماً على التاريخ.

وهكذا يصبح الاتجاه هو البوصلة، ويصبح النقد هو قراءة البوصلة لا بديلها. فكل نقد لا يفضي إلى وضوحٍ في الاتجاه، أو إلى إمكانية تحسين المسار، يبقى ناقصاً في وظيفته. أما النقد الذي يربط ما كان بما يمكن أن يكون، فهو وحده القادر على تحويل الذاكرة إلى خبرة، والخبرة إلى مسار