الحكومة الفلسطينية والمواطن المنهك.. هل انفصلت الحكومة عن الواقع؟ ومن يحمي لقمة عيش الفلسطيني؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

نوفمبر 1, 2026 - 15:35
الحكومة الفلسطينية والمواطن المنهك.. هل انفصلت الحكومة عن الواقع؟ ومن يحمي لقمة عيش الفلسطيني؟

الحكومة الفلسطينية والمواطن المنهك.. هل انفصلت الحكومة عن الواقع؟ ومن يحمي لقمة عيش الفلسطيني؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم تعد الأزمة التي يعيشها المواطن الفلسطيني مجرد أزمة مالية عابرة أو نتيجة لتأخر صرف الرواتب، بل تحولت إلى أزمة معيشية واجتماعية تمس أبسط مقومات الحياة، وتطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الحكومة الفلسطينية على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، ومدى انسجام سياساتها الاقتصادية والمالية مع الواقع الذي يعيشه الشارع الفلسطيني.
فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتزايد البطالة والفقر، ويعاني من خصومات الرواتب وتأخر صرفها، يجد نفسه أمام أعباء متراكمة لا تتناسب مع دخله وإمكاناته. وفي الوقت الذي تتزايد فيه الضرائب والرسوم والمطالبات المالية المباشرة وغير المباشرة، أصبح كثير من المواطنين عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، بل إن تأمين شحن بطاقة الكهرباء لأيام معدودة بات يشكل عبئاً على بعض الأسر، فكيف الحال مع فواتير الكهرباء والغاز والمحروقات والتأمين والسلع الأساسية وسائر الالتزامات اليومية؟
إن وصول الأسرة الفلسطينية إلى مرحلة العجز عن توفير متطلبات الحياة الأساسية ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل هو إنذار اجتماعي يستوجب مراجعة السياسات الحكومية، والتوقف أمام حقيقة أن المواطن لم يعد قادراً على تحمل أعباء إضافية، في ظل تآكل دخله وتراجع مصادر رزقه.
أزمة مالية تتجاوز حدود الموازنة
لا يمكن إنكار أن الأزمة المالية الفلسطينية ترتبط بعوامل خارجية وبنيوية، في مقدمتها احتجاز إسرائيل أموال المقاصة والاقتطاعات المتواصلة منها، وتراجع المساعدات الدولية، والقيود المفروضة على الحركة والتجارة والعمل، وتداعيات الاحتلال والاستيطان على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وقد أشار تقرير مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة، المقدم إلى لجنة تنسيق مساعدات الدول المانحة في 24 أيلول 2026، إلى أن الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية ما زالت حادة، وأن إسرائيل تحتجز نحو ستة مليارات دولار من الإيرادات المستحقة، الأمر الذي انعكس على انتظام الرواتب والقدرة على تقديم الخدمات الأساسية، وأدى إلى انتقال جانب من الالتزامات المالية إلى الموظفين والمتقاعدين والموردين والمصارف والأسر.
كما أشار البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي لخريف 2026 إلى أن المتأخرات المستحقة للموظفين العموميين بلغت نحو 3.7 مليارات دولار، فيما تجاوزت مستحقات الموردين ملياري دولار، وتجاوزت الالتزامات لصندوق التقاعد أربعة مليارات دولار. وهذه الأرقام تعكس حجم الاختلال المالي وخطورته على استدامة المؤسسات والخدمات العامة.
لكن الاعتراف بأثر الاحتلال واحتجاز أموال المقاصة لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها عن إدارة الأزمة، وترتيب الأولويات، ومراجعة النفقات والسياسات المالية والضريبية، وحماية الفئات الأكثر تضرراً.
من يتحمل فاتورة الأزمة؟
المشكلة الأساسية أن المواطن بات يتحمل جانباً كبيراً من نتائج الأزمة المالية، من خلال تراجع الرواتب وارتفاع الأسعار وتزايد الرسوم والضرائب، في وقت تتراجع فيه قدرته على الحصول على الخدمات التي يفترض أن توفرها المؤسسات العامة.
فالقطاع الصحي يعاني من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتتأثر المستشفيات والمراكز الصحية بالقيود المالية، فيما يواجه قطاع التعليم تحديات تهدد انتظام العملية التعليمية. وقد وثق تقرير الأونكتاد الصادر في 24 أيلول 2026 اضطرار المدارس في الضفة الغربية خلال عام 2025 إلى تقليص التعليم الوجاهي إلى ثلاثة أيام أسبوعياً نتيجة نقص الموارد.
إن تعطيل انتظام التعليم، أو عجز المريض عن الحصول على الدواء، أو اضطرار الموظف إلى التغيب عن عمله بسبب عدم قدرته على تأمين تكاليف المواصلات، كلها مؤشرات على أن الأزمة لم تعد محصورة في دفاتر الموازنة، بل امتدت إلى حياة المواطنين وحقوقهم الأساسية.
ولا يجوز أن يتحول الموظف والمعلم والطبيب والممرض إلى الحلقة الأضعف في معالجة العجز المالي، فهم يؤدون وظائف أساسية في خدمة المجتمع، واستمرار تراجع قدرتهم على أداء واجباتهم ينعكس مباشرة على المواطنين ومستقبل الأجيال.
الاحتلال يضاعف المعاناة والحكومة مطالبة بالحماية
تتضاعف هذه المعاناة في ظل الاجتياحات الإسرائيلية المتواصلة للمدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، وإغلاق الطرق والحواجز العسكرية، واعتداءات المستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية، وسرقة محصول الزيتون، وتهجير العائلات وتدمير مصادر رزقها.
وهكذا يجد المواطن الفلسطيني نفسه محاصراً بين ضغوط الاحتلال من جهة، والأزمة الاقتصادية والمالية من جهة أخرى، دون وجود مظلة حماية اجتماعية واقتصادية كافية للتخفيف من معاناته، خصوصاً في المناطق التي تتعرض للاجتياحات والتهجير، وفي مخيمات شمال الضفة الغربية التي تكبد سكانها خسائر جسيمة في المساكن ومصادر الدخل.
إن الصمود الفلسطيني لا يمكن أن يبقى مجرد شعار يُطلب من المواطن التمسك به، بل يجب أن تقابله سياسات وطنية توفر مقومات الصمود، وتحمي الإنسان وأسرته وحقوقه وكرامته.
المطلوب: خطة إنقاذ ومراجعة شاملة للأداء الحكومي
إن استمرار إدارة الأزمة من خلال الاقتراض وتراكم المتأخرات والاقتطاع من الرواتب وزيادة الأعباء الضريبية، دون معالجة جذرية، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع دائرة الفقر والبطالة وتراجع الثقة بالمؤسسات.
ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة الفلسطينية اتخاذ خطوات عملية، وفي مقدمتها:
1. مراجعة السياسة الضريبية والرسوم الحكومية، وتخفيف الأعباء عن ذوي الدخل المحدود والأسر الفقيرة، وإعادة النظر في الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل المواطنين.
2. إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، ومراجعة النفقات التشغيلية والامتيازات والمصاريف غير الضرورية، وتكريس مبدأ العدالة في توزيع الأعباء.
3. وضع برنامج زمني واضح لمعالجة أزمة الرواتب والمتأخرات، وضمان انتظام الحد الأدنى من الدخل للموظفين.
4. تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، وضمان انتظام التعليم والخدمات الصحية وسائر المرافق العامة.
5. إنشاء صندوق طوارئ وطني لدعم الأسر الفقيرة والعاطلين عن العمل والمهجرين والمتضررين من الاجتياحات والاعتداءات الإسرائيلية.
6. نشر بيانات مالية دورية توضح حقيقة المديونية والالتزامات والإيرادات والنفقات، وتعزيز الشفافية والمساءلة والرقابة على المال العام.
7. إطلاق حوار وطني اقتصادي واجتماعي يضم النقابات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات المحلية والخبراء الاقتصاديين، لوضع برنامج إنقاذ يحظى بثقة المجتمع.
هل أصبحت استقالة الحكومة استحقاقاً سياسياً؟
إن السؤال عن استمرار الحكومة في أداء مسؤولياتها لم يعد ترفاً سياسياً أو مجرد سجال بين مؤيد ومعارض، بل أصبح سؤالاً مشروعاً في ضوء اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين والقدرة على الاستجابة لها.
فالحكومة ليست مجرد جهاز لتحصيل الإيرادات وإدارة النفقات، وإنما هي مسؤولة عن حماية المجتمع وتوفير الخدمات وصون كرامة المواطن. والمسؤولية السياسية تقتضي المصارحة والمكاشفة وتقديم برنامج واضح لمعالجة الأزمات، لا الاكتفاء بتفسير العجز المالي بالعوامل الخارجية، مهما كانت خطورتها وتأثيراتها.
وإذا لم تكن الحكومة قادرة على تقديم خطة إنقاذ واقعية، أو لم تتوافر لديها القدرة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، فإن إعادة تشكيلها أو استقالتها تصبحان من الخيارات السياسية التي ينبغي طرحها ومناقشتها بمسؤولية وطنية، بما يضمن عدم حدوث فراغ مؤسسي أو المساس باستمرارية الخدمات العامة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب حكومة تمتلك رؤية اقتصادية واجتماعية واضحة، وتعمل وفق أولويات وطنية، وتعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية، وتضع المواطن في صدارة اهتماماتها، وتدرك أن حماية لقمة عيشه لا تقل أهمية عن إدارة المواجهة السياسية والدبلوماسية مع الاحتلال.
خلاصة القول:
فلسطين التي تواجه الاحتلال والاستيطان والتهجير لا تحتمل مزيداً من التآكل الاجتماعي والاقتصادي، ولا يجوز أن يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الأزمة.
فالمواطن الذي يُطلب منه الصمود والدفاع عن أرضه وحقوقه، من حقه أن يجد مؤسسات تحميه، وحكومة تصغي إلى معاناته، وسياسات تخفف أعباءه لا أن تضيف إليها.
إن صون كرامة المواطن وحماية لقمة عيشه وتوفير الدواء والتعليم والخدمات الأساسية ليست امتيازات تمنحها الحكومة، بل مسؤوليات أصيلة تقع على عاتقها.
فمن يحمي المواطن إذا عجز عن تأمين احتياجات يومه؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا تحولت الأزمة المالية إلى أزمة ثقة بين الشعب ومؤسساته؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين يجب أن تكون بداية المراجعة الوطنية المطلوبة، قبل أن تتسع الفجوة أكثر، وقبل أن تتحول المعاناة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية يصعب احتواء تداعياتها.

المراجع والمصادر
اعتمد المقال في خلفيته الاقتصادية والمالية على تقارير ومصادر مؤسسية دولية وفلسطينية، أبرزها:
1. مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط (UNSCO)، تقرير لجنة تنسيق مساعدات الدول المانحة، 24 أيلول 2026، بشأن الأزمة المالية والمؤسسية الفلسطينية، واحتجاز إيرادات المقاصة وتداعيات ذلك على الخدمات العامة.
تقرير الأمم المتحدة – أيلول 2026.
2. البنك الدولي (World Bank)، التحديث الاقتصادي الفلسطيني – خريف 2026، بشأن المديونية والمتأخرات المالية وأوضاع الاقتصاد والبطالة والفقر والقطاع المصرفي.
التحديث الاقتصادي للبنك الدولي – خريف 2026.
3. مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد UNCTAD)، تقرير تطورات الاقتصاد في الأرض الفلسطينية المحتلة، الصادر في 24 أيلول 2026، بشأن تراجع النشاط الاقتصادي والأزمة المالية وتأثيرها على الصحة والتعليم.
تقرير الأونكتاد – 2026.
4. معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، التحديث الاقتصادي الفلسطيني، أيلول 2026، بشأن المالية العامة واحتجاز أموال المقاصة والعنف الاستيطاني وتأثيره على النشاط الاقتصادي.
التحديث الاقتصادي الفلسطيني – ماس.
5. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بيانات سوق العمل والبطالة والمؤشرات الاقتصادية لعام 2025 والتحديثات المنشورة خلال 2026.
الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.