بين تغيير الحكم وتغيير النهج: كيف يقرأ الفلسطينيون إسرائيل الجديدة؟

بقلم: د. أسعد العويوي

نوفمبر 2, 2026 - 10:31
بين تغيير الحكم وتغيير النهج: كيف يقرأ الفلسطينيون إسرائيل الجديدة؟

بين تغيير الحكم وتغيير النهج: كيف يقرأ الفلسطينيون إسرائيل الجديدة؟
بقلم: د. أسعد العويوي

لم تعد المعركة السياسية في إسرائيل محصورة في السؤال التقليدي: من سيجلس في مكتب رئيس الحكومة؟ فالتطورات التي أعقبت الانتخابات تكشف عن انتقال الصراع إلى مستوى أعمق، عنوانه السيطرة على مؤسسات الحكم، وإعادة ترتيب موازين القوى داخل الكنيست، ومحاولة ترجمة الأغلبية البرلمانية إلى واقع سياسي جديد.

ما كشفته قناة «كان» الإسرائيلية بشأن توافق قادة كتلة التغيير على ضرورة استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا، يحمل دلالات تتجاوز الموقع نفسه. فالحديث يدور عن تحرك سياسي منظم تقوده أحزاب المعارضة، مستندة إلى الأغلبية التي تمتلكها في الكنيست، وبالتعاون مع الأحزاب العربية، بهدف انتزاع رئاسة المؤسسة التشريعية من حزب الليكود.

واللافت في هذا التطور عودة أفيغدور ليبرمان إلى التواصل مع قادة بقية الأحزاب، بعد أن كان متحفظاً على الدخول في هذه الاتصالات قبل الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات. وهذا يعني أن التحفظات الأولية لم تعد تشكل عائقاً أمام بحث خطوات مشتركة لتغيير موازين السيطرة داخل الكنيست.

كما أن تصريحات غادي آيزنكوت، رئيس حزب «يَشَر!»، تعطي هذا التحرك بعداً سياسياً أوسع؛ إذ تحدث عن ضرورة الاستفادة الفورية من الأغلبية البرلمانية الواضحة، والعمل على تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وتعزيز إلزامية الخدمة، وإلغاء قوانين التعديلات القضائية التي فجّرت خلافات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي.

هنا نحن أمام محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسسي، وليس مجرد خلاف على هوية رئيس الكنيست.

الأحزاب العربية… شريك في الحسابات أم طرف في صناعة القرار؟

لكن التفصيل الأكثر أهمية في الخبر، من وجهة نظري، يتعلق بموقع الأحزاب العربية في هذه المعادلة.

فكتلة التغيير تدرك أن الأغلبية البرلمانية التي تمتلكها تحتاج إلى التعاون مع الأحزاب العربية لإنجاز بعض خطواتها، وعلى رأسها استبدال رئيس الكنيست. غير أن هذا الاحتياج يطرح سؤالاً سياسياً مهماً: هل نحن أمام اعتراف حقيقي بدور الأحزاب العربية كشريك سياسي، أم أن المطلوب هو الاستفادة من أصواتها عندما تقتضي الحسابات البرلمانية ذلك؟

والدليل على هذه الإشكالية ما أورده التقرير بشأن شعور القائمة المشتركة بالإهانة والتهميش، بعدما بدأت اتصالات مع القائمة العربية الموحدة «رعم» دون توجيه دعوة مماثلة إلى القائمة المشتركة التي يقودها يوسف جبارين.

هذه ليست مسألة بروتوكولية أو تفصيلاً في ترتيب الاجتماعات؛ إنها تكشف عن حدود العلاقة بين أحزاب التغيير والأحزاب العربية، وعن الفجوة بين الحديث عن التعاون السياسي والممارسة الفعلية لهذا التعاون.

ومن المهم هنا ألا نخلط بين المشاركة في التصويت على تغيير رئيس الكنيست وبين امتلاك القدرة على التأثير في برنامج الحكومة المقبلة. فهناك فرق بين أن تحتاج الأحزاب الإسرائيلية إلى الأصوات العربية لتأمين أغلبية برلمانية، وبين أن تعترف بهذه الأحزاب طرفاً سياسياً له مطالبه وحقوقه وأولوياته.

هل يتغير الحكم أم تتغير السياسة تجاه الفلسطينيين؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا فلسطينياً.

فاستبدال أمير أوحانا، أو نجاح كتلة التغيير في السيطرة على رئاسة الكنيست، لا يعني تلقائياً تغيير السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني. كما أن إلغاء بعض قوانين التعديلات القضائية، أو تشكيل لجنة تحقيق رسمية، لا يشكل بحد ذاته تحولاً في الموقف من الاحتلال والاستيطان والقدس والحقوق الوطنية الفلسطينية.

إن الاختبار الحقيقي لأي قيادة إسرائيلية جديدة لن يكون في قدرتها على إزاحة نتنياهو أو إعادة توزيع المناصب، وإنما في مواقفها العملية من مستقبل الأراضي الفلسطينية، ووقف الاستيطان، واحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية، والتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب تحت الاحتلال، وليست مجرد ملف أمني أو تفصيل في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.

وهنا يجب أن نكون واضحين: ليس كل من يعارض نتنياهو يتبنى بالضرورة رؤية مختلفة تجاه الفلسطينيين، وليس كل من يرفع شعار التغيير الداخلي مستعداً لتغيير السياسات التي تمس حياتنا ومستقبلنا.

المسؤولية الفلسطينية: لا ننتظر التغيير بل نستعد له

أعتقد أن علينا فلسطينياً أن نقرأ هذه التحولات بعقل سياسي هادئ، بعيداً عن المبالغة في الرهان على سقوط نتنياهو، أو التعامل مع صعود خصومه باعتباره تحولاً مضموناً في السياسة الإسرائيلية.

لقد تابع الفلسطينيون الانتخابات الإسرائيلية بتفاصيلها، واهتموا بموازين القوى والأحزاب والقيادات الجديدة، وهذا أمر مفهوم لأن نتائجها تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على واقعهم السياسي واليومي. لكن لا يجوز أن تتحول متابعة المشهد الإسرائيلي إلى بديل عن ترتيب البيت الفلسطيني وصياغة الأولويات الوطنية.

نحن بحاجة إلى موقف فلسطيني موحد، وإلى خطاب سياسي قادر على التعامل مع المتغيرات الإسرائيلية، والاستفادة من التناقضات داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، دون أن يجعل مستقبلنا رهناً بالخلافات بين الأحزاب الإسرائيلية.

كما أن علينا أن نميز بين القوى الإسرائيلية وبرامجها ومواقفها، وأن نحاسب أي حكومة مقبلة على سياساتها الفعلية، لا على شعاراتها الانتخابية أو خلافاتها مع نتنياهو.

إن التحولات الجارية تفتح مجالاً لأسئلة جديدة حول مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي، لكنها تفرض علينا في الوقت نفسه سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل نمتلك نحن الفلسطينيين مشروعاً سياسياً قادراً على التعامل مع مرحلة ما بعد نتنياهو، أم سنبقى نراقب تبدل القيادات الإسرائيلية دون أن ننجز التغيير المطلوب في واقعنا الوطني؟

المعركة الحقيقية ليست فقط على كرسي رئيس الكنيست، ولا حتى على هوية رئيس الحكومة المقبلة؛ إنها معركة على طبيعة السياسة التي ستُدار بها إسرائيل في المرحلة القادمة، وعلى موقع الفلسطينيين وحقوقهم في هذه المعادلة.

ومن هنا، فإن موقفي واضح: لا ينبغي أن نراهن على تغيير الوجوه في إسرائيل، بل أن نستعد للتعامل مع أي قيادة جديدة بموقف فلسطيني مستقل، ورؤية وطنية واضحة، وقدرة على تحويل المتغيرات السياسية إلى مساحة أوسع للدفاع عن حقوق شعبنا.