الحرب الصامتة في الضفة الغربية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الحرب الصامتة في الضفة الغربية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في تصريح لافت يحمل أبعادًا سياسية وقانونية خطيرة، حذّر المفوّض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في الأول من شباط/فبراير 2026، من بلوغ مستويات العنف في الضفة الغربية المحتلة أرقامًا قياسية وغير مسبوقة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. لم يكن هذا التحذير توصيفًا إنسانيًا تقليديًا، بل جاء بمثابة تشخيص دولي لواقع يتجه نحو الانفجار، في ظل صمت عالمي وانشغال دولي بالحرب على غزة.
تشير معطيات الأونروا إلى مقتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية خلال الفترة المذكورة، قرابة ربعهم من الأطفال، وهو رقم يعكس تحوّل العنف إلى نهج منظم لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام، ولا عن السياسات الإسرائيلية القائمة على إدارة الصراع بالقوة بدل السعي إلى حلول سياسية مستدامة.
عنف ممنهج وإفلات من العقاب
سياسيًا، تكتسب تصريحات المفوّض أهميتها من تركيزها على الإفلات شبه الكامل من العقاب. فاعتداءات المستوطنين تتواصل بوتيرة متصاعدة، ترافقها عمليات عسكرية واسعة، من دون محاسبة جدية أو مساءلة قانونية. هذا الواقع يخلق بيئة تشجّع على المزيد من الانتهاكات، ويحوّل العنف من استثناء إلى ممارسة يومية “طبيعية” في نظر سلطات الاحتلال.
إن غياب الردع الدولي، والاكتفاء ببيانات القلق، أسهما في تكريس معادلة خطيرة مفادها أن كلفة العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية تكاد تكون معدومة سياسيًا.
البعد الاستراتيجي: تهجير صامت وإعادة تشكيل الأرض
استراتيجيًا، تبرز خطورة ما وصفته الأونروا بكونه أكبر موجة نزوح منذ عام 1967، في أعقاب عملية “الجدار الحديدي”. عشرات الآلاف ما زالوا نازحين حتى اليوم، فيما تتعرض منازلهم للهدم التدريجي لمنع عودتهم. هذا السلوك لا يمكن قراءته إلا في إطار سياسة تفريغ جغرافي ممنهجة، تستهدف المخيمات والتجمعات الفلسطينية بوصفها خزّانًا بشريًا ورمزيًا للقضية الفلسطينية.
وتكمن الخطورة في أن هذا التهجير يجري بهدوء نسبي، بعيدًا عن عدسات الإعلام الدولي، ما يجعل “الحرب الصامتة” في الضفة الغربية أقل حضورًا في الوعي العالمي، لكنها أكثر رسوخًا على الأرض.
القراءة القانونية: انتهاكات جسيمة للقانون الدولي
من الزاوية القانونية، فإن ما تضمنته تصريحات المفوّض العام يرقى إلى توصيف انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تشمل القتل خارج إطار القانون، والتهجير القسري، وتدمير الممتلكات المدنية، وهي أفعال محظورة صراحة بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي.
الأخطر، كما جاء في التصريحات، أن “التجاهل الصارخ للقانون الدولي” في الضفة الغربية أصبح أمرًا اعتياديًا، ما يهدد بتقويض المنظومة القانونية الدولية ذاتها، حين يُسمح باستمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة أو عقاب.
الأونروا: شاهد دولي تحت الضغط
تأكيد المفوّض العام على أن الأونروا ما تزال عنصرًا أساسيًا في الاستجابة الإنسانية، رغم التحديات الهائلة، يعكس الدور المحوري للوكالة بوصفها شاهدًا دوليًا على معاناة اللاجئين واستمرار آثار النكبة. وفي المقابل، يفسّر ذلك حجم الاستهداف السياسي والمالي الذي تتعرض له الوكالة، في محاولة لإضعاف دورها وتقليص حضورها.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار فإن تصريحات مفوّض الأونروا تحمل رسالة تحذير واضحة الا وهو أن ما يجري في الضفة الغربية ليس هامشًا على الحرب في غزة، بل مسارًا موازيًا لا يقل خطورة. استمرار العنف، وتكريس الإفلات من العقاب، والتجاهل الدولي للقانون الإنساني، كلها عوامل تضع الضفة الغربية على حافة انفجار واسع قد يقضي على أي أفق سياسي مستقبلي.
إن وقف هذه “الحرب الصامتة” لم يعد مسألة إنسانية فحسب، بل ضرورة سياسية وقانونية وأخلاقية، قبل أن يصبح الوقت — كما حذّرت الأونروا — متأخرًا إلى حد لا يمكن تداركه.



