على عتبات المؤتمر العام الثامن لحركة فتح: سؤال الأمانة أولًا
ياسر عرفات وجيلٌ آمن بالفكرة أكثر من الذات
على عتبات المؤتمر العام الثامن لحركة فتح: سؤال الأمانة أولًا
ياسر عرفات وجيلٌ آمن بالفكرة أكثر من الذات
محمد قاروط أبو رحمه
مقدمة
نادراً ما يُتاح لجيلٍ تاريخي أن يتحوّل إلى مرجع، ونادراً ما ينجو هذا المرجع من خطر التقديس.
الجيل المؤسس للحركة الوطنية الفلسطينية، وفي قلبه ياسر عرفات، لم يكن جيل معجزات ولا جيل أخطاء خالصة، بل جيل ضرورة. نشأ في فراغ سياسي، وفي لحظة كان فيها الشعب الفلسطيني مهددًا لا بفقدان الأرض فقط، بل بفقدان المعنى ذاته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤال البطولة، بل سؤال الأمانة:
كيف نقرأ هذا الجيل دون أن نحوّله إلى أيقونة معطلة عن النقد؟ وكيف نكون أوفياء للفكرة التي حملها دون أن نحبسها في زمنهم؟
أولًا: الجيل المؤسس بوصفه استجابة تاريخية
لم يولد الجيل المؤسس من رفاه فكري أو استقرار سياسي، بل من انكسار شامل أعقب النكبة.
كان مشروعهم الأساسي إعادة إنتاج الذات الفلسطينية كفاعل سياسي بعد أن كادت تتحول إلى مجرد قضية إنسانية. في هذا السياق، لم تكن القيادة خيارًا، بل عبئًا؛ ولم تكن الثورة هوية، بل وسيلة اضطرارية لحماية الفكرة من التلاشي.
ياسر عرفات، في هذا الإطار، لا يُقرأ كفرد استثنائي بقدر ما يُقرأ كتركيز رمزي لتجربة جماعية. قوته لم تكن في كماله، بل في قدرته على تجميع التناقضات داخل فكرة واحدة: فلسطين بوصفها مشروع تحرر لا ملكية شخصية.
ثانيًا: الفكرة قبل الذات
ما ميّز هذا الجيل هو الخوف العميق على الفكرة.
الخوف من أن تُختطف، أن تُختزل، أو أن تتحول إلى سلعة سياسية. لذلك قَبِل كثيرون منهم حياة المنفى، والتقشف، والعزلة، وحتى الموت، دون أن يُطالبوا بضمانات شخصية.
عرفات نفسه عاش هذا التناقض: زعيم بلا دولة، ورمز بلا استقرار، ورجل سياسة محاط دائمًا بمنطق الثورة. لم يُعرف عنه بناء مشروع ذاتي خارج القضية، وكأن حياته الخاصة كانت مؤجلة إلى أجل لم يأتِ.
هذا التقديم للفكرة على الذات هو جوهر الأخلاق السياسية للجيل المؤسس، لكنه في الوقت نفسه مصدر إشكاليته.
ثالثًا: حدود القداسة
هنا تبدأ المنطقة الحساسة.
حين يُضحّي جيل بذاته من أجل فكرة، يُغري ذلك الأجيال اللاحقة بتقديسه. لكن القداسة، في السياسة، ليست تكريمًا بل تعطيلًا. فهي تُجمّد التجربة، وتحوّلها من مسار قابل للنقد إلى نموذج يُطلب تقليده.
الجيل المؤسس لم يكن معصومًا من الخطأ: أخطأ في الحسابات، وفي إدارة الاختلاف، وفي تقدير موازين القوة. لكن تحويل هذه الأخطاء إلى “محرمات” باسم الوفاء لا يخدم الفكرة، بل يقتلها ببطء.
القداسة هنا تصبح خيانة غير مقصودة للجيل نفسه، لأنه جيل لم يدّعِ امتلاك الحقيقة، بل حاول البحث عنها في ظروف قاسية.
رابعًا: القيادة كعبء أخلاقي
في تجربة عرفات وجيله، لم تكن القيادة امتيازًا مستقرًا، بل عبئًا دائمًا.
كل قرار كان يحمل احتمالات الدم، والانقسام، والمنفى الجديد. ولذلك ظل التوتر الأخلاقي حاضرًا في الممارسة السياسية، حتى في أكثر لحظاتها براغماتية.
هذا البعد الأخلاقي هو ما يميّز الجيل المؤسس عن كثير من نماذج السلطة اللاحقة.
خامسًا: الذاكرة بين الوفاء والأسر
الذاكرة السياسية سلاح مزدوج.
يمكنها أن تكون مصدر إلهام، كما يمكنها أن تتحول إلى قيد. حين تُستخدم الذاكرة لتبرير العجز أو لتأجيل المراجعة، تصبح عبئًا على الحاضر.
الوفاء الحقيقي للجيل المؤسس لا يكون بتكرار شعاراته، بل بامتلاك الشجاعة لطرح أسئلته من جديد في سياق مختلف. فالزمن لا يكرّر نفسه، والفكرة التي لا تتجدد تتحول إلى أثر.
سادسًا: الجيل الجديد والفكرة المفتوحة
الأجيال اللاحقة ليست ورثة صامتين، بل شركاء في المعنى.
لا يُطلب منهم أن يكونوا نسخة عن الجيل المؤسس، بل أن يضيفوا إليه. الاستمرار لا يعني التشبّه، بل القدرة على البدء من جديد دون قطع الجذور.
الفكرة الفلسطينية، إن كانت حية، فهي أكبر من أي جيل، وأوسع من أي رمز، وأطول عمرًا من أي قائد.
خاتمة
الجيل المؤسس لم يكن عظيمًا لأنه كان كاملًا، بل لأنه كان صادقًا مع لحظته.
وياسر عرفات، بكل تناقضاته، لم يكن رمزًا لأنه بلا أخطاء، بل لأنه حمل الفكرة في زمن كان فيه حملها مغامرة وجودية.
حدود القداسة ليست تقليلًا من القيمة، بل حماية لها.
فالوفاء الحقيقي للفكرة لا يكون بالبقاء في ظل الماضي، بل بالخروج منه نحو أفق جديد، حاملين المعنى… لا القيد.
هكذا فقط، نكون أوفياء للفكرة دون أن نكون أسرى لتاريخها.
فهل سيجيب المؤتمر الثامن على هذا السؤال: الأمانة أولا؟



