من الواقع موضوعا للمعرفة إلى الواقع مُعيدا لتشكيلها

محمد قاروط أبو رحمه

أكتوبر 31, 2026 - 12:46
من الواقع موضوعا للمعرفة إلى الواقع مُعيدا لتشكيلها

من الواقع موضوعا للمعرفة إلى الواقع مُعيدا لتشكيلها
محمد قاروط أبو رحمه
الملخص: المعرفة لا تكتمل بالفعل وحده، بل بما يكشفه الفعل من نتائج، وما يثيره من نقد وتغذية راجعة، وما يقود إليه من مراجعة وتطوير. فحين يختبر الإنسان معرفته في الواقع ويتفاعل الناس معها، تتحول التجربة إلى مصدر لتصحيحها وإعادة تشكيلها، لتبدأ دورة جديدة أكثر نضج.

في البداية، نحن نجعل الواقع موضوعا لمعرفتنا؛ نراقبه، ونصفه، ونحلله، ونحاول فهم أسبابه وعلاقاته. لكن عندما ننتقل من المعرفة إلى الفعل، يحدث تحول مهم: لا يعود الواقع مجرد موضوع معرفي، بل يصبح شريكا في إعادة تشكيل معرفتنا.
الفعل هو اللحظة التي نضع فيها ما نعرفه أمام اختبار الواقع. عندها نكتشف ما أحسنا فيه فهمنا، وما أخطأنا في تقديره، وما أغفلناه او غفلناه من عوامل، وما يحتاج إلى نقد ومراجعة أو تطوير. وقد تكشف النتائج أن المعرفة التي بدت متماسكة في أذهاننا لا تكفي وحدها لمواجهة تعقيدات الميدان، أو أن نجاحها يتطلب تعديل افتراضاتنا وطريقة توظيفها.
من دون فعل، لا نختبر المعرفة في الواقع، ولا نمنحها فرصة كافية كي تُصقل بالتجربة. فقد تبقى المعرفة ناقصة، لا بمعنى أن كل معلومة غير مجرّبة خاطئة او باطلة، بل بمعنى أن قدرتها على تفسير الواقع وتوجيه العمل تظل غير مختبرة في الظروف التي يُراد استخدامها فيها.
ومن هنا يظهر الفرق بين معرفة نستطيع استعراضها في امتحان، أو الدفاع عنها في جدال، ومعرفة نستطيع توظيفها في مواجهة مشكلة حقيقية. قد ينجح الإنسان في شرح الفكرة، وإثبات اتساقها، والرد على الاعتراضات بشأنها، لكنه يظل بحاجة إلى أن يختبر قدرته على استخدامها، وأن يتعلم من نتائجها.
وهنا تكمن أهمية الفعل: إنه لا ينقل المعرفة من النظرية إلى التطبيق فحسب، بل يسمح للواقع بأن يشارك في بنائها. فالواقع قد يؤكد بعض ما نعرفه، وقد يكشف حدود معرفتنا، وقد يفرض علينا أسئلة جديدة لم تكن حاضرة قبل الممارسة، وقد يكشف لنا نقد الاخرين ومراجعتهم ما كنا قد اغفلناه، وبذلك لا تنتهي دورة المعرفة عند الفعل؛ بل يبدأ من نتائجه مسار جديد من الملاحظة، والفهم، والتصحيح والتعلم من التجربة من جديد وتوثيقها.
أما حين نبقى في دائرة التفسير والجدال والاحتمالات المتخيلة، فقد نراكم القدرة على الكلام عن الحياة من دون أن نكتسب بالقدر نفسه القدرة على التعامل معها. وقد عبّر سينيكا في رسائله عن نقد الانشغال بالمسائل النظرية والجدل الذي يجعلنا أكثر علمًا ، من دون أن يجعلنا بالضرورة أفضل في عيش الحياة. وهي فكرة تتصل بضرورة أن تخدم المعرفة الحياة (والعمل جزء من الحياة)، لا أن تتحول إلى غاية منفصلة عنها.
ليس المقصود التقليل من قيمة التفكير أو النظرية أو الحوار؛ فالفعل الذي يسبق التفكير قد يتحول إلى تسرع، كما أن التنفيذ من دون تخطيط قد يهدر الموارد ويضاعف الأخطاء، المقصود أن التفكير والتخطيط يكتسبان قيمة إضافية حين يهيئان فعلا مسؤولًا، وأن الفعل يكتسب قيمته المعرفية حين نتعلم من نتائجه، ونراجع افتراضاتنا، ونحسن أداءنا.
المعرفة تقود إلى الفعل، والفعل يضع المعرفة أمام الواقع والناس، والواقع والناس يعيدان تشكيل المعرفة، فتبدأ دورة جديدة أكثر نضج.
بهذا المعنى، لا يكون الفعل نهاية المعرفة، بل أحد شروط حيويتها وتجددها. فالواقع الذي نكتفي بمراقبته قد يمنحنا معلومات عنه، أما الواقع الذي نتعامل معه بالفعل المسؤول، ونراجع نتائج تعاملنا معه، فيمنحنا فرصة لتطوير معرفتنا بأنفسنا وبقدراتنا وبالعالم الذي نعيش فيه.
إننا لا نتعلم فن الحياة بمجرد أن نتحدث عنها، بل حين نربط ما نعرفه بما نفعله، وما نفعله بما نتعلمه، وما نتعلمه بما نراجعه ونطوره. عندها تصبح المعرفة أكثر من رصيد في الذهن؛ تصبح قدرة متجددة على الفهم، والعمل، والتكيف، والتحسين.