18 مقعدًا أو أكثر تهزّ إسرائيل: الفلسطينيون يطرقون أبواب السلطة التي أقصتهم

أكتوبر 29, 2026 - 21:04
أكتوبر 29, 2026 - 21:04
18 مقعدًا أو أكثر تهزّ إسرائيل: الفلسطينيون يطرقون أبواب السلطة التي أقصتهم

18 مقعدًا أو أكثر تهزّ إسرائيل: الفلسطينيون يطرقون أبواب السلطة التي أقصتهم

بقلم: د. أسعد العويوي

ليست نتائج الانتخابات الإسرائيلية مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات الكنيست، ولا مجرد جولة جديدة في الصراع بين بنيامين نتنياهو وخصومه. ما تكشفه النتائج الأولية، مع استمرار فرز الأصوات، يضع إسرائيل أمام سؤال سياسي أعمق: هل تستطيع الدولة التي تعرّف نفسها بوصفها دولة الشعب اليهودي أن تتعامل مع مواطنيها الفلسطينيين باعتبارهم شركاء متساوين في تحديد مستقبلها السياسي؟

تشير التقديرات الأولية إلى أن القائمتين العربيتين، المشتركة والموحدة، تتجهان إلى الحصول على نحو 18 مقعدًا او ، مع احتمال ارتفاع العدد بمقعد أو أكثر مع استمرار الفرز. وإذا تأكد هذا الاتجاه، فإننا أمام وزن سياسي لا يمكن تجاهله في حسابات تشكيل الحكومة، ولا يصح التعامل معه باعتباره تفصيلًا هامشيًا في المشهد الإسرائيلي.

في كنيست يضم 120 عضوًا، يحتاج أي ائتلاف إلى 61 مقعدًا على الأقل لضمان الأغلبية. وإذا بقيت الكتل المتنافسة عند حدود متقاربة، فقد تصبح المقاعد العربية عنصرًا مؤثرًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة. لكن التأثير المحتمل لا يعني أن هذه المقاعد ستذهب تلقائيًا إلى معسكر بعينه، ولا أن الأرقام وحدها تكفي لصناعة تغيير سياسي. فالفارق كبير بين امتلاك القدرة على التأثير والنجاح في تحويلها إلى اتفاقات واضحة ونتائج ملموسة.

السؤال الأهم ليس كم مقعدًا حصلت عليه القوائم العربية، بل ماذا ستفعل بهذا الوزن السياسي؟

لقد أثبت الفلسطينيون في الداخل، مرة أخرى، أنهم ليسوا خارج المعادلة الإسرائيلية، حتى وإن حاولت سياسات التمييز والإقصاء تقليص دورهم. مشاركتهم في الانتخابات ليست مجرد ممارسة لحق التصويت، بل تعبير عن وجود سياسي ومجتمعي يفرض نفسه على حسابات الحكم. ومع ذلك، فإن ارتفاع عدد المقاعد لا يعني تلقائيًا تحقيق المساواة، ولا ينهي التمييز في الأرض والسكن والتخطيط، ولا يضع حدًا للجريمة والعنف، ولا يضمن تغيير السياسات تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: الوزن العددي داخل الكنيست، والقدرة على التأثير في تشكيل الحكومة، والنتائج التي يلمسها الناس في حياتهم اليومية. قد يتحقق الأول من دون الثاني، وقد يتحقق الثاني من دون أن يفضي إلى الثالث. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للقوائم العربية لا يبدأ عند إعلان النتائج، بل عند تحديد ما تستطيع انتزاعه من التزامات سياسية وقانونية واجتماعية واضحة.

لا أرى أن المطلوب هو منح أي حكومة مقبلة شيكًا على بياض لمجرد إخراج نتنياهو من المشهد. فإزاحة رئيس حكومة لا تعني بالضرورة تغيير السياسات التي ساهمت في ترسيخ الاحتلال والتمييز وتوسيع الاستيطان. وقد يتغير الشخص الذي يقود الحكومة، بينما تبقى البنية السياسية التي تنتج هذه السياسات على حالها.

لذلك، فإن أي تفاهم سياسي يجب أن يقوم على برنامج محدد، لا على وعود عامة أو حسابات ظرفية. برنامج يتضمن مكافحة الجريمة، ومواجهة التمييز، وضمان الحقوق المدنية، ومعالجة قضايا الأرض والسكن والتخطيط، إلى جانب موقف واضح من الحرب والاحتلال والاستيطان وحقوق الشعب الفلسطيني. ومن دون ذلك، قد تتحول المقاعد الإضافية إلى مكسب انتخابي لا ينعكس بالقدر المطلوب على حياة المواطنين أو مستقبل قضيتهم الوطنية.

وفي المقابل، لا يجوز اختزال دور الفلسطينيين في الداخل في كونهم أصواتًا يمكن الاستعانة بها عند تعثر تشكيل الحكومة، ثم تجاهل مطالبهم بعد استقرارها. فالمواطنة لا تُقاس بالحاجة إلى أصوات المواطنين في لحظة سياسية، بل بمدى احترام حقوقهم ومساواتهم في مختلف الظروف.

إن ما تكشفه هذه الانتخابات يتجاوز شخص نتنياهو ومستقبله السياسي. إنها تضع التناقض بين تعريف إسرائيل لنفسها دولةً يهودية وبين متطلبات المساواة الديمقراطية أمام اختبار جديد. فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد إجراء الانتخابات، ولا تُقاس فقط بنسبة المشاركة وعدد المقاعد، بل أيضًا بقدرة المواطنين على التأثير في القرار وبمدى تمتعهم بحقوق متساوية.

أما فلسطينيًا، فلا ينبغي أن تتحول متابعة الانتخابات الإسرائيلية إلى انتظار دائم لسقوط نتنياهو أو صعود منافسيه. من حق الفلسطينيين أن يدركوا أثر هذه الانتخابات في حياتهم، لكن من الضروري أيضًا ألا يربطوا مستقبلهم السياسي بتبدّل الوجوه داخل إسرائيل. المطلوب بناء موقف فلسطيني مستقل، يستثمر التحولات السياسية من دون أن يجعلها بديلًا عن استراتيجية وطنية واضحة، وعن أدوات سياسية ودبلوماسية وشعبية قادرة على الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.

إن المقاعد العربية، إذا تأكدت هذه النتائج، تمثل فرصة سياسية مهمة، لكنها ليست انتصارًا مكتملًا. قيمتها الحقيقية تتوقف على قدرة ممثليها على العمل المشترك، وتحديد أولويات واضحة، والتفاوض من موقع المسؤولية، ومحاسبة أنفسهم أمام جمهورهم على ما تحقق وما لم يتحقق.

في النهاية، قد تجعل المقاعد العربية تشكيل الحكومة أكثر تعقيدًا، لكنها لن تصنع المساواة وحدها. فالتغيير الحقيقي يبدأ حين يتحول الوزن الانتخابي إلى برنامج سياسي، والبرنامج إلى التزامات قابلة للقياس، والالتزامات إلى حقوق ونتائج ملموسة.