الأموال القطرية والانتخابات الإسرائيلية.. بين نزاهة الاقتراع والصراع على السلطة

أكتوبر 29, 2026 - 16:26
الأموال القطرية والانتخابات الإسرائيلية.. بين نزاهة الاقتراع والصراع على السلطة

الأموال القطرية والانتخابات الإسرائيلية.. بين نزاهة الاقتراع والصراع على السلطة
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تثير الاتهامات المتبادلة في إسرائيل بشأن شبهات التدخل الخارجي والتمويل الأجنبي خلال انتخابات الكنيست السادسة والعشرين تساؤلات تتجاوز حدود التنافس الحزبي، لتطال نزاهة العملية الديمقراطية، وفاعلية الرقابة الأمنية والمالية، ومدى توظيف التحقيقات في الصراع على تشكيل الحكومة المقبلة.
وبحسب التقارير الإعلامية المتداولة في 29 تشرين الأول 2026، برزت شبهات تتعلق بمحاولات تأثير غير مشروع على العملية الانتخابية، وسط حديث عن تمويل خارجي يُشتبه في ارتباط بعض مساراته بجهات قطرية. وفي المقابل، أكدت تصريحات منسوبة إلى لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية عدم وجود أساس للادعاءات بشأن مساس ممنهج بنزاهة الاقتراع، فيما دعا مسؤولون سياسيون إلى عدم استغلال معلومات لا تزال قيد التحقيق للطعن في النتائج الرسمية.
وفي هذا السياق، حذّر غادي آيزنكوت من توظيف التحقيقات لتأخير الإجراءات الدستورية المتعلقة ببدء عمل الكنيست، بينما رفضت القائمة العربية الموحدة الاتهامات الموجهة إليها، وأعلنت استعدادها للتعاون مع جهات إنفاذ القانون. كما شهدت الساحة السياسية تبادلاً للاتهامات بين الليكود وخصومه، في مشهد يعكس حدة الاستقطاب الداخلي.
السؤال الجوهري: من أين جاءت الأموال، وكيف وصلت، ومن يتحمل مسؤولية الرقابة؟
إذا كانت هناك تحويلات مالية استُخدمت للتأثير غير المشروع على الانتخابات، فإن المسألة تستدعي تحقيقاً مهنياً يحدد مصادر الأموال، والجهات المستفيدة منها، ومسارات انتقالها، وطبيعة الأنشطة التي موّلتها، ومدى توافقها مع القوانين المنظمة للتمويل السياسي والانتخابي.
فامتلاك إسرائيل أجهزة أمنية واستخبارية ورقابية متقدمة لا يعني استحالة وقوع مخالفات، لكنه يثير تساؤلات مشروعة بشأن قدرة منظومتها الرقابية على اكتشاف التحويلات المشبوهة والتحقق من أهدافها. ولا يمكن الإجابة عن هذه التساؤلات بالاستنتاجات أو الاتهامات السياسية، بل بالأدلة المالية والنتائج المعلنة للتحقيقات.
وتزداد حساسية الملف مع تداول قضية أخرى تُعرف إعلامياً باسم «قطر غيت»، تتعلق بشبهات حول علاقات مهنية وإعلامية لمقربين من مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بجهات قطرية. غير أن هذا الملف منفصل عن شبهات التدخل في الانتخابات، ولا يجوز اعتبار أحدهما دليلاً على الآخر ما لم تثبت التحقيقات وجود صلة مباشرة بينهما.
ومن هنا تبرز أهمية تطبيق معيار قانوني واحد على الجميع، بحيث تخضع أي شبهة تمويل أجنبي للتحقيق، بصرف النظر عن هوية المستفيد أو موقعه السياسي، من دون انتقائية أو أحكام مسبقة.
بين التحقيق الأمني والتوظيف السياسي
تعيد هذه التطورات إلى الواجهة إشكالية شهدتها تجارب ديمقراطية أخرى، تتمثل في تحول الشبهات المتعلقة بالتدخل الخارجي إلى أدوات للتعبئة السياسية والطعن في شرعية الخصوم قبل اكتمال التحقيقات. لكن المقارنة مع تجارب دولية، ومنها الولايات المتحدة، تظل مرتبطة بأساليب الخطاب السياسي، ولا تعني تطابق الوقائع أو الأدلة.
وفي الحالة الإسرائيلية، ينبغي توخي الحذر من تعميم الاتهامات على المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل أو التشكيك في شرعية مشاركتهم السياسية. فحقهم في التصويت والتمثيل البرلماني حق ديمقراطي، وأي مخالفة فردية تثبت قانونياً لا تبرر المساس بحقوق جماعية أو نزع الشرعية عن جمهور بأكمله.
كما أن حساسية الملف ترتبط بحسابات تشكيل الحكومة، في ظل غياب أغلبية واضحة لأي معسكر وفق التقديرات الأولية المتداولة. وهذا يجعل استقلالية التحقيق واحترام النتائج الرسمية، ما لم يظهر أساس قانوني للطعن فيها، ضرورة للحفاظ على الاستقرار المؤسسي.
خلاصة القول: إن حماية نزاهة الانتخابات تتطلب تحقيقاً شفافاً، وأدلة قابلة للتحقق، واحترام قرينة البراءة، وعدم استباق النتائج القضائية أو استخدام الشبهات لتصفية الحسابات السياسية. فإذا ثبت وجود تمويل أجنبي غير مشروع، وجب تحديد المسؤوليات وفق القانون، وإذا لم تثبت الاتهامات، وجب وقف توظيفها للإضرار بسمعة الأفراد أو الأحزاب.
فالمعيار الحقيقي للديمقراطية ليس تبادل الاتهامات، بل قدرة المؤسسات على كشف الحقيقة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.