لسنا كبارًا في السن... بل شهودًا على عصر لن يتكرر

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أغسطس 6, 2026 - 13:01
لسنا كبارًا في السن... بل شهودًا على عصر لن يتكرر

لسنا كبارًا في السن... بل شهودًا على عصر لن يتكرر
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
كلما سمعت من يصف أبناء جيلنا بـ"كبار السن"، أدركت أن اللغة قد تخون أحيانًا الحقيقة. فالعمر ليس عددًا من السنوات، بل حصيلة تجارب، ومدرسة من المواقف، ورصيد من الحكمة لا تمنحه الأيام إلا لمن عاشها بكل ما فيها من أفراح وانكسارات.
نحن لسنا جيلًا هرم، بل جيلٌ نضج. ولسنا بقايا زمن مضى، بل ذاكرته الحية، وشهوده الأمناء.
ولطالما رددت قول الشاعر أبي الطيب المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
فالعقل الذي يمنح صاحبه البصيرة يجعله أكثر إدراكًا لقيمة الزمن، وأكثر إحساسًا بأن الحياة ليست بطول العمر، وإنما بعمق التجربة وحسن الأثر.
ويقول الفيلسوف الروماني سينيكا: "ليست الحياة قصيرة، ولكننا نهدر الكثير منها." وهي عبارة تختصر فلسفة العمر كله؛ فما أقصر السنين حين ننظر إليها من آخر الطريق، وما أطولها حين نعيش تفاصيلها يومًا بعد يوم.
لقد وُلدنا في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وعشنا زمنًا كانت فيه البساطة أسلوب حياة، وكانت القيم تُورث كما تورث الأسماء. عرفنا البيوت المفتوحة، والجار الذي يسبق القريب، والمعلم الذي كانت هيبته تغني عن آلاف القوانين، والوالدين اللذين كانت بركتهما رأس مال الإنسان.
نشأنا في عالم لم تكن التكنولوجيا تتحكم بإيقاع الحياة، بل كان الإنسان هو مركزها. مشينا إلى مدارسنا تحت الشمس والمطر، وحملنا كتبنا بأيدينا، وحفظنا دروسنا بذاكرتنا، وتعلمنا أن الخطأ ليس نهاية الطريق، بل بدايته. لم تكن هناك هواتف ذكية ولا منصات إلكترونية، لكن كانت هناك عقول ذكية، وإرادات صلبة، وأحلام كبيرة.
ثم شاء لنا القدر أن نكون الجيل الوحيد الذي عاش الانتقال الكامل من العالم التناظري إلى العالم الرقمي. بدأنا حياتنا مع القنديل واللوكس، ثم شهدنا الكهرباء الذكية. انتقلنا من "البابور" إلى أحدث وسائل الطهي، ومن الراديو إلى الفضائيات، ومن الرسائل الورقية إلى البريد الإلكتروني، ومن أشرطة الكاسيت إلى المنصات الرقمية، ومن الصور المطبوعة إلى ذاكرة إلكترونية تحمل ملايين الصور في هاتف صغير.
شهدنا الثورات العلمية، والتغيرات السياسية، والأزمات الاقتصادية، والحروب، والأوبئة، والتحولات الاجتماعية الكبرى. رأينا دولًا تولد، وأخرى تتفكك، وأفكارًا تصعد ثم تسقط، لكننا تعلمنا أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن الزمن لا يتوقف لأحد.
ولعل الفيلسوف اليوناني هيراقليطس كان محقًا حين قال: "لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين." فكل شيء يتغير؛ الإنسان، والزمن، والأماكن، وحتى نحن لسنا الأشخاص أنفسهم الذين كنا قبل سنوات.
غير أن أكثر ما نفتخر به ليس أننا عاصرنا كل هذا التطور، بل أننا احتفظنا بإنسانيتنا وسط هذا التغيير. تعلمنا احترام الكبير، وتوقير المعلم، وصلة الرحم، وقيمة الكلمة، وصدق الوعد، وأدركنا أن الأخلاق لا تبلى مهما تغيرت الوسائل.
ويقول الأديب الروسي ليو تولستوي: "الجميع يفكر في تغيير العالم، لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه." وربما كانت هذه أعظم دروس العمر؛ أن يبدأ الإصلاح من الداخل قبل أن نطالب به الخارج.
ومع تقدم العمر، يصبح الإنسان أكثر تصالحًا مع نفسه، وأكثر قدرة على التسامح، لأنه يدرك أن كثيرًا من المعارك التي خاضها لم تكن تستحق كل ذلك العناء. يرحل أصدقاء، وتغيب وجوه أحببناها، وتبقى الذكريات وحدها شاهدة على رحلة طويلة، فتزداد قناعتنا بأن أجمل ما في الحياة لم يكن ما امتلكناه، بل ما عشنا من لحظات، وما منحناه من محبة، وما تركناه من أثر.
ولعل أجمل ما يلخص هذه الرحلة قول الإمام علي بن أبي طالب:
"قيمة كل امرئ ما يحسنه."
فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في عمره، ولا في منصبه، ولا في ثروته، وإنما فيما قدمه للناس من خير، وما زرعه من علم، وما تركه من سيرة طيبة.
إننا لم نعد في عمر التأجيل. فالوقت يمضي أسرع مما نتخيل، والأيام لا تمنح أحدًا فرصة لاستعادتها. لذلك، لا تؤجل كلمة حب، ولا زيارة صديق، ولا مصافحة قريب، ولا اعتذارًا يستحق أن يقال اليوم قبل الغد.
لقد علمتنا الحياة أن الإنسان لا يغتني بما يملك، بل بما يمنح، ولا يكبر بما عاش من سنوات، بل بما اكتسب من حكمة.
ولهذا، فإننا لسنا "كبارًا في السن"، بل جيلٌ صنعته التجارب، وربّته الشدائد، وأغناه الزمن بالحكمة، وسيبقى شاهدًا على أجمل زمن عرف معنى البساطة، وأصدق زمن عرف قيمة الإنسان.
ويبقى قول الشاعر محمود درويش خير ما نختم به:
"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا."
نحبها لأنها علمتنا أن الزمن لا يعود، وأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه من متاع، بل ما زرعه من قيم، وما غرسه من محبة، وما تركه من أثرٍ طيب في قلوب الناس.