الدَّين التعليمي: ما لا يتعلمه الطفل اليوم يدفع ثمنه غداً

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

سبتمبر 20, 2026 - 10:39
الدَّين التعليمي: ما لا يتعلمه الطفل اليوم يدفع ثمنه غداً

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

في المقال الأول من هذه السلسلة طرحنا سؤالاً بدا بسيطاً، لكنه ربما يكون السؤال الأصعب الذي يواجه التعليم الفلسطيني اليوم: هل يتعلم أبناؤنا؟
وجاءت نتائج PISA 2025 لتمنح السؤال إلحاحاً أكبر، إذ لم يبلغ الحد الأدنى من الكفاءة سوى 24% من الطلبة الفلسطينيين في العلوم، و17% في الرياضيات، و22% في القراءة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يأتي بعد ذلك مباشرة هو: كيف يصل طالب في الخامسة عشرة إلى هذه المرحلة، بعد سنوات طويلة من الدراسة، وهو لا يزال دون الحد الأدنى من الكفاءة في مهارات أساسية؟
الإجابة، في تقديري، لا تبدأ في الخامسة عشرة. بل ربما تبدأ في السابعة أو الثامنة.
طفل أنهى الصف الثاني ولم يتقن القراءة جيداً، لكنه انتقل إلى الثالث. وفي الثالث أصبحت النصوص أطول والأسئلة أصعب، ففهم جزءاً منها وحفظ جزءاً آخر وانتقل إلى الرابع. ثم بدأ يستخدم القراءة ليس بوصفها مادة دراسية فقط، بل أداة لفهم الرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية.
هنا لم تعد مشكلة القراءة مشكلة في حصة اللغة العربية وحدها. أصبحت مشكلة في التعلم كله.
ويمكن أن نسمي هذه الظاهرة «الدَّين التعليمي».
كما أن الدين المالي لا يختفي بتأجيل سداده، فإن المعرفة التي كان ينبغي للطفل أن يكتسبها ولم يكتسبها لا تختفي عندما ينتهي العام الدراسي. إنها تنتقل معه إلى العام التالي، وقد تتراكم فوقها فجوات جديدة، حتى تصبح كلفة التعويض أكبر عاماً بعد عام.
وهذه، في رأيي، واحدة من أخطر المشكلات التي يمكن أن تواجه أي نظام تعليمي: أن يتقدم الطالب في العمر والصف والشهادة أسرع مما يتقدم في المعرفة والمهارة. فالصفوف متسلسلة، والتعلم تراكمي.
الطفل لا يستطيع أن يفهم الكسور جيداً إذا كانت لديه فجوة كبيرة في العمليات الأساسية. ولا يستطيع حل مسألة رياضية مركبة إذا كان يجد صعوبة أصلاً في قراءة نص المسألة وفهم المطلوب. ولا يستطيع تحليل تجربة علمية إذا لم يكتسب مهارة الربط بين السبب والنتيجة وقراءة البيانات.
ولهذا فإن الفاقد في السنوات الأولى ليس فجوة صغيرة تبقى في مكانها. إنه قد يتحول إلى فجوة تتسع مع الزمن.
وهنا تساعدنا نتائج PISA 2025 على رؤية المشكلة من زاوية مختلفة. فمقارنة بعام 2022، ارتفعت نسبة الطلبة الفلسطينيين الذين يقعون دون المستوى الثاني، أي دون الحد الأدنى للكفاءة، بمقدار سبع نقاط مئوية في الرياضيات، وأربع في القراءة، وثمانٍ في العلوم. وانخفض متوسط الأداء الفلسطيني في الفترة نفسها بمقدار 18 نقطة في الرياضيات و17 نقطة في العلوم، بينما لم يكن التغير في القراءة ذا دلالة إحصائية.
هذه ليست مجرد مقارنة بين اختبارين. إنها إشارة إلى أن جزءاً من الفجوة التعليمية يتراكم بدل أن يُغلق.
لكن تقرير PISA يقدم لنا أرقاماً أخرى ربما تساعدنا في فهم بعض ما يحدث قبل أن يصل الطالب إلى الاختبار.
ففي عام 2025 أفاد نحو 46% من الطلبة الفلسطينيين بأنهم تغيبوا يوماً دراسياً واحداً على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، مقارنة بـ18% في 2022. وقال 38% إنهم تغيبوا عن حصة واحدة على الأقل. وهذا رقم يستحق التوقف عنده. فالزمن التعليمي ليس مجرد بند في الجدول المدرسي.
إذا خسر الطالب يوماً، ثم حصة، ثم أسبوعاً بسبب حاجز أو إغلاق أو أزمة مالية أو إضراب أو ظرف أمني أو أسري، فإن ما خسره لا يعود تلقائياً بمجرد عودته إلى مقعده. هناك فرق بين العودة إلى المدرسة واستعادة التعلم الذي فُقد.
وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، يصبح الأمر أكثر تعقيداً. فالطالب لا يتعلم في مختبر معزول عن واقعه؛ إنه يأتي إلى الصف محملاً أحياناً بالخوف والقلق والضغط الاقتصادي وعدم الاستقرار، فيما يعمل المعلم نفسه تحت الضغوط ذاتها.
لكن هناك أيضاً ما يحدث داخل الصف. يكشف PISA 2025 أن 45% من الطلبة الفلسطينيين قالوا إن الضوضاء والفوضى تعطل معظم حصص العلوم أو جميعها، وأن 37% أفادوا بأنهم لا يستطيعون العمل جيداً في معظم الحصص أو كلها.
وهنا يصبح السؤال عن «الدَّين التعليمي» أوسع من المنهاج. كم دقيقة من الحصة تتحول فعلاً إلى تعلم؟ وكم يوماً من العام الدراسي يمثل فعلاً يوماً تعليمياً كاملاً؟ وكم طالباً يجلس داخل الصف لكنه، معرفياً أو نفسياً، خارجه؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال نسبة النجاح وحدها. وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
فالنظام التعليمي يعرف بسهولة عدد الطلاب المسجلين، وعدد المدارس، وعدد المعلمين، ونسب النجاح والرسوب، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى معرفة شيء أكثر أهمية: ماذا يعرف الطالب اليوم مما لم يكن يعرفه قبل ستة أشهر؟ هذه هي وحدة القياس الحقيقية للتعليم.
ليس الكتاب الذي انتهى، وإنما التعلم الذي تحقق. ومن هنا ينبغي أن ننتقل من مفهوم «تعويض الفاقد التعليمي» إلى مفهوم أكثر دقة: «استرداد التعلم».
فالهدف ليس ضغط صفحات المنهاج التي فاتت في أسابيع إضافية، ولا زيادة الواجبات، ولا مطالبة المعلم بالركض لإنهاء المقرر، لأن الطالب الذي لم يفهم أساساً لا يحتاج دائماً إلى مزيد من المحتوى؛ قد يحتاج إلى العودة إلى المهارة التي فُقدت.
وهذا يستدعي تغييراً في السؤال الذي نطرحه على المدرسة.
بدل أن نسأل معلم الصف الثالث: كم وحدة أنهيت؟
نسأله أيضاً: كم طفلاً في صفك يستطيع أن يقرأ نصاً مناسباً لعمره ويفهمه؟
وبدل أن يكون همّ الصف السادس إنهاء كتاب الرياضيات، ينبغي أن نعرف: كم طالبا يستطيع استخدام ما تعلمه في حل مسألة جديدة؟ وقبل أن ينتقل الطالب من مرحلة إلى أخرى، ينبغي أن نعرف ما إذا كان يحمل معه رصيداً معرفياً أم ديناً تعليمياً.
وهذا لا يعني العودة إلى مزيد من الامتحانات التقليدية. على العكس. نحتاج إلى تشخيص مبكر وبسيط ومستمر للمهارات الأساسية، وخصوصاً القراءة والفهم والحساب، يبدأ من الصفوف الأولى. تشخيص هدفه مساعدة المعلم والطالب، لا ترتيب المدارس ولا معاقبة أحد. لأن اكتشاف طفل في الصف الثالث لا يقرأ بالمستوى المطلوب مشكلة يمكن علاجها.
أما اكتشافها عندما يصبح في التاسع أو العاشر فقد يعني أننا لم نعد نعالج فجوة واحدة، بل سنوات من الفجوات المتراكمة.
ولهذا أعتقد أن أي إصلاح تعليمي فلسطيني جاد يحتاج إلى قاعدة واضحة: لا ننتظر حتى سن الخامسة عشرة لكي يخبرنا PISA بما كان يمكن أن نكتشفه في الثامنة. فالاختبارات الدولية مهمة لأنها تضع أمامنا المرآة، لكنها تأتي متأخرة بالنسبة إلى الطفل.
مهمتنا أن نبني مرايانا الوطنية قبل ذلك. نحتاج أن نحدد بوضوح ما الذي ينبغي لكل طفل فلسطيني أن يعرفه ويستطيع فعله في نهاية الصف الثاني، والرابع، والسادس، والتاسع؛ ثم نقيس ذلك بعينات علمية دورية، وننشر النتائج بشفافية، ونوجه الموارد والتدريب والدعم إلى حيث توجد الفجوة. ولا ينبغي أن تتحول هذه الفكرة إلى باب جديد لإلقاء المسؤولية على المعلم.
فالمعلم لا يستطيع وحده تسديد دين صنعته سنوات من الانقطاع والاضطراب والأزمات والحواجز ونقص الموارد والظروف النفسية والاجتماعية. لكن المعلم هو أهم من يستطيع اكتشاف الدين مبكراً ومنع تراكمه، إذا أعطيناه الوقت والأداة والتدريب والصلاحية.
وهنا تكشف نتائج PISA عن مؤشر آخر يستحق الانتباه: 42% من الطلبة الفلسطينيين كانوا في مدارس أفاد مديروها بأن نقص الكادر التدريسي يعيق التعليم بدرجة ما، و45% في مدارس تعاني نقصاً في المواد التعليمية، و54% في مدارس تعاني مشكلات في البنية التحتية.
إذن لا توجد عصا سحرية. ليست المشكلة في الكتاب وحده، ولا المعلم وحده، ولا المنهاج وحده، ولا الاحتلال وحده، ولا التكنولوجيا هي الحل وحدها. نحن أمام سلسلة تعلم إذا انكسرت إحدى حلقاتها ولم تُصلح، انتقل أثرها إلى الحلقة التالية.
ولعل هذا يقودنا إلى إعادة تعريف النجاح نفسه. فالنجاح الحقيقي ليس أن ينتقل الطالب من الصف الرابع إلى الخامس. النجاح أن ينتقل وهو جاهز للتعلم في الخامس. وليس أن يصل إلى الثانوية. بل أن يصل إليها وهو قادر على القراءة والفهم والحساب والتحليل والتعلم المستقل. وليس أن يحصل في النهاية على شهادة. بل أن تكون الشهادة وصفاً حقيقياً لما أصبح قادراً على معرفته وفعله.
لذلك فإن أخطر ما قد نفعله بعد نتائج PISA 2025 هو أن نتعامل معها بوصفها نتيجة سيئة نحاول تحسينها في PISA القادم. هدفنا ليس رفع ترتيب فلسطين في اختبار دولي. هدفنا أن يتعلم الطفل الفلسطيني. وإذا تحقق ذلك، ستتحسن المؤشرات من تلقاء نفسها.
إن الطفل الذي لم يتعلم اليوم لا يبدأ غداً من الصفر. إنه يبدأ غداً من خلف نقطة البداية. وكل سنة نؤجل فيها اكتشاف الفجوة نضيف إلى كلفتها.
لهذا فإن السؤال الثاني في سلسلة «هل يتعلم أبناؤنا؟» لا يقل أهمية عن السؤال الأول: كم يبلغ حجم الدَّين التعليمي الذي يحمله أبناؤنا من صف إلى آخر؟ والأهم: متى نبدأ بسداده؟