المجلس الوطني الفلسطيني بين النص القانوني وحق الشعب في اختيار ممثليه
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
المجلس الوطني الفلسطيني بين النص القانوني وحق الشعب في اختيار ممثليه
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليست مسألة إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني قضية تنظيمية عابرة، ولا مجرد خلاف حول توزيع المقاعد أو آليات اختيار الأعضاء، وإنما هي مسألة تتصل مباشرة بجوهر الشرعية الوطنية الفلسطينية وبحق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه وفي المشاركة في صياغة القرار الوطني.
فالمجلس الوطني، وفق اللائحة الداخلية المنشورة للمجلس، يمثل السلطة العليا للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده، ويضطلع بوضع سياسات منظمة التحرير ورسم برامجها. ومن ثم فإن السؤال حول كيفية تشكيله لا ينفصل عن السؤال الأوسع: من أين يستمد المجلس شرعيته التمثيلية، وكيف يمارس الشعب حقه في اختيار من يمثله؟
أولاً: النص القانوني يضع الانتخاب أصلاً والتعذر استثناءً
النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية يقدم قاعدة واضحة في هذا المجال. فالمادة الرابعة تقرر أن الفلسطينيين جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير، وأن الشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى للمنظمة. ثم تأتي المادة الخامسة لتقرر أن أعضاء المجلس الوطني ينتخبون عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني، وفق نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية.
وهذه الصياغة لها دلالة قانونية مهمة؛ فالانتخاب هو الأصل الذي حدده النظام الأساسي، وليس إجراءً ثانوياً أو خياراً سياسياً يمكن تجاوزه متى توفرت الرغبة في ذلك.
وفي الوقت ذاته، لم يتجاهل النظام الأساسي الظروف الاستثنائية التي قد تحول دون إجراء الانتخابات، فنصت المادة السادسة على استمرار المجلس الوطني قائماً إذا تعذر إجراء الانتخابات إلى أن تتهيأ ظروف إجرائها.
وبالتالي فإن القراءة القانونية المتكاملة للمادتين الخامسة والسادسة تقود إلى نتيجة أساسية: تعذر الانتخابات لا يلغي مبدأ الانتخاب، وإنما يؤجل ممارسته إلى حين تهيؤ الظروف المناسبة.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين أمرين مختلفين: استمرار المؤسسة القائمة بصورة مؤقتة بسبب تعذر الانتخابات، وبين تحويل حالة الاستثناء إلى قاعدة دائمة تعطل حق الانتخاب بصورة مفتوحة.
ثانياً: النظام الانتخابي موجود وليس المبدأ بحاجة إلى اختراع جديد
الأهمية الأخرى أن الحديث عن الانتخابات لا يبدأ من فراغ قانوني. فقد صدر النظام الانتخابي للمجلس الوطني في 17 تموز/يوليو 1965 استناداً إلى المادتين الخامسة والثامنة من النظام الأساسي، وتضمن 73 مادة تناولت الناخبين والاقتراع والعمليات الانتخابية والفرز وإعلان النتائج.
كما قرر النظام الانتخابي حق الفلسطيني في انتخاب المجلس الوطني متى توافرت الشروط المحددة فيه، وهو ما يؤكد أن المشرّع التنظيمي الفلسطيني تصور المجلس باعتباره مؤسسة تستند في أصل تكوينها إلى الإرادة الشعبية.
ومن هنا فإن تطوير الآليات الانتخابية بما يتلاءم مع التحولات الديمغرافية والسياسية والجغرافية التي طرأت على الشعب الفلسطيني لا يعني إلغاء مبدأ الانتخاب، بل يمكن أن يكون وسيلة لتفعيله بصورة أكثر واقعية وعدالة.
ثالثاً: بين العضوية الانتخابية والعضوية الاستثنائية
لا بد هنا من قراءة النصوص المنظمة للمجلس كوحدة متكاملة.
فالقاعدة هي انتخاب الأعضاء بالاقتراع المباشر. وفي المقابل، تتضمن القواعد المنظمة للمجلس آليات للتعامل مع حالات الشغور والظروف التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، كما توجد للمجلس صلاحيات تتصل بإضافة أعضاء في ظروف محددة وبما ينسجم مع متطلبات الوحدة الوطنية. وقد تناولت المصادر الرسمية المنشورة للمجلس هذه الآليات باعتبارها جزءاً من البناء التنظيمي للمؤسسة.
لكن قانونياً، لا يصح الخلط بين الآلية الاستثنائية لمعالجة الشغور أو الظروف الخاصة وبين جعل التعيين بديلاً دائماً عن الاقتراع الشعبي.
فالاستثناء يجب أن يبقى مرتبطاً بالسبب الذي أوجده، وألا يتحول إلى قاعدة تستنفد الأصل وتفرغه من مضمونه.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية: إذا كان بالإمكان إجراء انتخابات حقيقية، أو وضع آلية تدريجية تتيح للفلسطينيين في أماكن وجودهم ممارسة حقهم الانتخابي، فإن السؤال المشروع يصبح: ما المبرر القانوني والسياسي لاستمرار استبعاد الاقتراع الشعبي؟
رابعاً: المجلس الوطني ليس تجمعاً للفصائل وإنما مؤسسة تمثيلية للشعب
إن طبيعة المجلس الوطني تفرض أيضاً إعادة النظر في مفهوم التمثيل.
الفصائل والتنظيمات السياسية جزء أصيل من الحياة الوطنية الفلسطينية، ولا يمكن إنكار دورها التاريخي والسياسي. لكن منظمة التحرير، وفق نظامها الأساسي، لا تقوم على عضوية تنظيمية مغلقة؛ فالنظام يؤكد أن الفلسطينيين جميعاً أعضاء طبيعيون فيها، وأن الشعب هو قاعدتها الكبرى.
وبالتالي فإن التمثيل التنظيمي لا ينبغي أن يحل محل التمثيل الشعبي، بل ينبغي أن يكون جزءاً من صيغة وطنية أوسع تضمن حضور القوى السياسية والاجتماعية والوطنية، إلى جانب المستقلين والقطاعات المجتمعية والفلسطينيين في الشتات.
وهذا مهم بصورة خاصة لأن الشعب الفلسطيني لم يعد كما كان عند تأسيس المنظمة؛ فقد نشأت أجيال جديدة في فلسطين والشتات، وتغيرت خريطة التجمعات الفلسطينية، وتوسعت الجاليات والمؤسسات والاتحادات والفعاليات المدنية.
ومن غير المنطقي أن يبقى الإطار التمثيلي للشعب الفلسطيني منفصلاً بصورة دائمة عن هذه التحولات.
خامساً: الشتات جزء من المعادلة التمثيلية
من أهم خصوصيات المجلس الوطني أنه لا يمثل سكان الأراضي الفلسطينية وحدهم، بل الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.
ولهذا فإن أي عملية لإعادة بناء المجلس الوطني يجب أن تنظر إلى فلسطينيي الشتات باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الجسم الوطني، لا كتجمعات خارج العملية السياسية.
والمطلوب قانونياً وسياسياً ليس مجرد زيادة عدد المقاعد المخصصة للشتات، وإنما إنشاء آلية انتخابية تمكن الفلسطينيين في الخارج من اختيار ممثليهم بصورة شفافة، تراعي ظروف الدول المختلفة والقوانين المحلية وتوزيع التجمعات الفلسطينية.
وقد وضع النظام الانتخابي القديم أساساً لمفهوم الناخب والاقتراع والجداول الانتخابية والاعتراض عليها، بما يوفر نقطة انطلاق يمكن تطويرها بما يتناسب مع العصر الحالي.
سادساً: إعادة بناء المجلس يجب أن تبدأ من قاعدة قانونية معلنة
إن أي عملية لإعادة تشكيل المجلس الوطني تحتاج إلى وضوح كامل في عدة مسائل:
أولاً: تحديد الهيئة الناخبة بصورة واضحة.
ثانياً: تحديث السجل الانتخابي للفلسطينيين في الوطن والشتات.
ثالثاً: تحديد الدوائر أو المناطق الانتخابية وآليات تمثيل التجمعات الفلسطينية المختلفة.
رابعاً: تحديد شروط الترشح والانتخاب بصورة موحدة وشفافة.
خامساً: ضمان الإشراف المستقل على العملية الانتخابية.
سادساً: توفير آليات للطعن والاعتراض ومراجعة النتائج.
سابعاً: وضع قواعد واضحة للتعامل مع حالات تعذر الانتخاب في بعض المناطق بسبب الاحتلال أو الظروف الأمنية أو القانونية في دول الإقامة.
وثامناً: نشر القواعد والإجراءات للرأي العام قبل بدء العملية، حتى لا تتحول عملية تشكيل المجلس إلى ترتيبات مغلقة تفسرها الأطراف كل وفق مصالحها.
سابعاً: الشرعية لا تقاس فقط بصحة الإجراءات الداخلية
قد يكون المجلس قائماً من الناحية الشكلية، وقد تكون اجتماعاته صحيحة وفق النصاب والإجراءات الداخلية، لكن الشرعية التمثيلية أوسع من مجرد اكتمال النصاب.
فالشرعية المؤسسية تحتاج إلى ثلاثة عناصر متكاملة:
شرعية النص، وشرعية الإجراء، وشرعية التمثيل.
شرعية النص تعني الالتزام بالنظام الأساسي واللوائح النافذة.
وشرعية الإجراء تعني احترام قواعد الدعوة والعضوية والانتخاب والتصويت واتخاذ القرارات.
أما شرعية التمثيل فتعني أن يشعر الشعب الفلسطيني بأن المؤسسات التي تتحدث باسمه تعكس إرادته وتنوعه ومصالحه الوطنية.
ومن هنا فإن إعادة بناء المجلس الوطني ينبغي أن تكون فرصة لإعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية، لا مجرد عملية لإعادة توزيع المقاعد.
ثامناً: منظمة التحرير تحتاج إلى تجديد مؤسساتها من خلال قاعدة شعبية
تكتسب المسألة أهمية أكبر لأن المجلس الوطني ليس مؤسسة منفصلة عن بقية بنية منظمة التحرير.
فالمجلس يضطلع بدور محوري في النظام السياسي لمنظمة التحرير، ومن بين صلاحياته انتخاب هيئات وقيادات المنظمة وفق الأحكام الناظمة لها. ولهذا فإن طريقة تشكيل المجلس تؤثر بصورة مباشرة في طبيعة الشرعية التي تستند إليها المؤسسات المنبثقة عنه.
ومن هنا، فإن إصلاح المجلس الوطني لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره إصلاحاً إدارياً، وإنما باعتباره مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة المشاركة والشراكة الوطنية.
تاسعاً: المطلوب حوار وطني حول آلية الانتخاب لا صراع حول المقاعد
المطلوب اليوم ليس تحويل قضية المجلس الوطني إلى مواجهة بين الفصائل، ولا إلى صراع على المقاعد، وإنما فتح نقاش وطني وقانوني هادئ حول كيفية تفعيل النصوص القائمة.
فالسؤال الصحيح ليس: كم مقعداً سيحصل عليه هذا التنظيم أو ذاك؟
بل:
كيف يستطيع الفلسطيني، أينما كان، أن يمارس حقه في اختيار ممثله؟
وهذا التحول في السؤال من المحاصصة إلى المواطنة السياسية هو جوهر الإصلاح المطلوب.
إن المجلس الوطني الذي يستمد شرعيته من الاقتراع المباشر سيكون أكثر قدرة على التعبير عن التنوع الفلسطيني، وسيكون أمام أعضائه تفويض شعبي واضح، بينما يبقى التوافق الوطني مهماً في المرحلة الانتقالية وفي معالجة الظروف التي يتعذر فيها الانتخاب، دون أن يتحول إلى بديل دائم عن الإرادة الشعبية.
خاتمة: استعادة حق الشعب في اختيار ممثليه
إن النظام الأساسي لمنظمة التحرير لم يترك أصل المسألة غامضاً؛ فقد وضع الاقتراع المباشر قاعدة لاختيار أعضاء المجلس الوطني، ونظم في الوقت ذاته حالة تعذر الانتخابات.
ومن هنا فإن النقاش الفلسطيني حول المجلس الوطني ينبغي أن ينتقل من الجدل حول الأشخاص والأسماء إلى نقاش مؤسسي حول القانون والتمثيل والانتخابات.
فالمجلس الوطني ليس ملكاً لفصيل، ولا حكراً على تنظيم، ولا مساحة مغلقة أمام المجتمع الفلسطيني، بل هو مؤسسة يفترض أن تعبر عن الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
وإذا كانت الظروف قد حالت طويلاً دون إجراء الانتخابات، فإن استمرار هذه الظروف يجب أن يكون موضوعاً للتقييم القانوني والسياسي المستمر، لا ذريعة دائمة لتعطيل المبدأ.
المطلوب ليس هدم المؤسسات الوطنية، وإنما إعادة بناء الثقة بها.
وليس إلغاء دور الفصائل، وإنما إدماجها في إطار وطني أوسع.
وليس تجاوز منظمة التحرير، وإنما تعزيز شرعيتها وتجديد مؤسساتها.
وليس استبدال التوافق الوطني بالديمقراطية، وإنما جعل التوافق جسراً إلى الانتخابات لا بديلاً عنها.
إن فلسطين بحاجة إلى مؤسسات تستمد قوتها من الشعب، وإلى منظمة تحرير تستوعب جميع مكونات الشعب الفلسطيني، وإلى مجلس وطني يجسد حقيقة أن الفلسطينيين، أينما كانوا، أصحاب الحق الأول في اختيار من يمثلهم.
فالشرعية الوطنية لا تكتمل بمجرد وجود المؤسسة، وإنما تكتمل عندما يشعر الشعب أن له صوتاً حقيقياً في اختيار ممثليه وصناعة قراره الوطني.



