مهرجان العنب في طولكرم.. حين يتحول التسويق إلى محاولة لإنعاش السوق وتعزيز صمود المزارع

من الأرض إلى السوق.. منتجات فلسطينية تبحث عن المستهلك في زمن اقتصادي صعب

سبتمبر 20, 2026 - 10:27
مهرجان العنب في طولكرم.. حين يتحول التسويق إلى محاولة لإنعاش السوق وتعزيز صمود المزارع

مهرجان العنب في طولكرم.. حين يتحول التسويق إلى محاولة لإنعاش السوق وتعزيز صمود المزارع
من الأرض إلى السوق.. منتجات فلسطينية تبحث عن المستهلك في زمن اقتصادي صعب
اعداد وتقرير علي أبوحبلة 

لم يكن المشهد في الساحة المقابلة لبلدية طولكرم، بالقرب من سوق الخضار، اليوم السبت، مجرد فعالية موسمية لعرض العنب والمنتجات الريفية؛ فقد حمل المهرجان في مضمونه رسالة اقتصادية أوسع، عنوانها البحث عن السوق، وتنشيط الحركة التجارية، وربط المزارع بالمستهلك، في وقت تعاني فيه الأسواق الفلسطينية من ظروف اقتصادية صعبة وتراجع في القدرة الشرائية وحركة التجارة.
بين عناقيد العنب القادمة من الخليل وبيت لحم، والمنتجات الريفية ومشتقات العنب والتين والقطين، والخضروات والورقيات ومنتجات أخرى من محافظات فلسطينية مختلفة، بدا المشهد أقرب إلى سوق فلسطيني مصغر تتلاقى فيه مناطق الإنتاج مع مدينة تبحث هي الأخرى عن استعادة حيويتها التجارية.
ونظمت الفعالية الإغاثة الزراعية وبرنامج الأغذية العالمي، بالتعاون مع وزارة الزراعة وبلدية طولكرم والغرفة التجارية، بمشاركة مزارعين ومنتجين من عدة محافظات.
من المزارع إلى المستهلك
الفكرة الأساسية للمهرجان تقوم على تقصير المسافة بين المنتج والمستهلك، وإتاحة فرصة للمزارع لعرض محصوله مباشرة، بعيداً عن تعدد حلقات الوساطة التي قد تؤثر في السعر الذي يحصل عليه المنتج وفي السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
وتؤكد الإغاثة الزراعية أن دعم المزارع لا يبدأ عند موسم البيع ولا ينتهي عند انتهاء المهرجان، وإنما يأتي ضمن ما يعرف بـ«سلسلة القيمة»، التي تبدأ من تجهيز الأرض وتوفير الشتلات والمدخلات الزراعية، مروراً بالإنتاج، وصولاً إلى التسويق وفتح الأسواق.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج وتراكم الديون على عدد من المزارعين، المرتبطة بالمياه والأسمدة والشتلات وغيرها من المدخلات، الأمر الذي يجعل الوصول إلى سوق مناسب جزءاً أساسياً من قدرة المزارع على الاستمرار.
وتشير بيانات عرضتها الإغاثة الزراعية إلى أن أياماً تسويقية سابقة للعنب في بلدة الخضر شهدت تسويق نحو 45 طناً من العنب بقيمة قاربت 400 ألف شيكل، استفادت منها تعاونيات ونساء ومزارعون؛ وهي تجربة تقدم مؤشراً على إمكانية أن تتحول الفعاليات التسويقية إلى مصدر دخل مباشر للمنتجين.
مهرجان لا يبيع العنب وحده
ورغم أن العنب هو المنتج الرئيسي في الفعالية، فإن المعروض لم يتوقف عند العناقيد الطازجة، بل امتد إلى مشتقات العنب، ومنها الزبيب والدبس والملبن، إلى جانب منتجات مرتبطة بموسم التين والقطين، ومنتجات ريفية أخرى.
كما حضرت منتجات زراعية من محافظات مختلفة، بما يعكس محاولة لبناء حركة تبادل تسويقي داخل السوق الفلسطينية نفسها.
وهنا تبرز أهمية المهرجان باعتباره منصة للتعريف بتنوع الإنتاج الفلسطيني، وليس مجرد نقطة بيع مؤقتة. فلكل منطقة منتجاتها ومزاياها الزراعية، وربط هذه المنتجات بالأسواق في المحافظات الأخرى يمكن أن يوسع قاعدة المستهلكين ويخفف من اختناق الأسواق المحلية.
طولكرم.. السوق جزء من المعادلة
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بعد المهرجان هو: ماذا بعد انتهاء الفعالية؟
هنا تلتقي فكرة المهرجان مع ملف تنظيم الأسواق في مدينة طولكرم، ولا سيما التوجه نحو إنشاء سوق شعبي منظم للمنتجات الزراعية.
فالمهرجان يوفر نموذجاً مؤقتاً لما يمكن أن يكون عليه السوق المنظم: منتج حاضر، ومستهلك حاضر، ومكان محدد، وحركة بيع وشراء، وإمكانية تنظيم البسطات والمنتجات ضمن مساحة واضحة.
وقد أعلنت الإغاثة الزراعية خلال فعالية اليوم عن العمل خلال الفترة المقبلة على إنشاء سوق شعبي في مدينة طولكرم للمنتجات الزراعية، بالشراكة مع البلدية والجهات ذات العلاقة.
وهذا التوجه يتقاطع مع جهود رسمية ومحلية بدأت منذ أشهر لدراسة إنشاء سوق شعبي وسط المدينة، بهدف تنظيم البسطات وإزالة المظاهر العشوائية، مع مراعاة مصالح أصحاب البسطات والتجار والمتسوقين والحركة المرورية.
والأهمية هنا أن تنظيم السوق لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد إزالة للبسطات من الشوارع، بل باعتباره إعادة ترتيب للنشاط التجاري الشعبي ونقله إلى إطار أكثر تنظيماً وقدرة على الاستمرار.
فالبائع يحتاج إلى مكان، والمزارع يحتاج إلى منفذ بيع، والمستهلك يحتاج إلى أسعار مناسبة، والمدينة تحتاج إلى شوارع منظمة وحركة تجارية نشطة. وهذه المصالح يمكن أن تلتقي إذا جرى التخطيط للسوق الشعبي باعتباره مشروعاً اقتصادياً وتنظيمياً متكاملاً.
سوق شعبي لا يعني إقصاء الباعة
إن نجاح أي مشروع لتنظيم السوق في طولكرم يرتبط بقدرته على تحقيق التوازن بين القانون والمصلحة الاقتصادية والاجتماعية.
فأصحاب البسطات والباعة الصغار يمثلون شريحة تعتمد على دخلها اليومي، ولذلك فإن تنظيم وجودهم يجب أن يترافق مع توفير بدائل حقيقية ومهيأة، بدلاً من الاكتفاء بإزالة مواقع البيع.
وقد شهدت الفترة الماضية جهوداً رسمية ومحلية بهذا الاتجاه، مع التأكيد على أن السوق الشعبي المنظم يمكن أن يسهم في إزالة مظاهر العشوائية وتعزيز الحركة التجارية داخل المدينة.
ومن هنا يمكن أن يصبح السوق الشعبي جزءاً من الحل الاقتصادي، لا مجرد إجراء بلدي لتنظيم الشوارع.
25 ألف دونم خلف الجدار.. الزراعة في مواجهة صعوبات الوصول
وتأتي هذه الجهود في وقت يواجه فيه المزارع الفلسطيني تحديات تتجاوز مسألة التسويق.
وبحسب ما نقلته الإغاثة الزراعية في طولكرم، فإن نحو 25 ألف دونم من الأراضي الزراعية في المحافظة تقع خلف الجدار، فيما تواجه العائلات صعوبات كبيرة في الوصول إليها، ومن بينها مساحات واسعة مزروعة بالزيتون وأشجار الفاكهة والمحاصيل المختلفة.
وتزداد حساسية المسألة مع اقتراب موسم الزيتون، باعتبار أن الأرض ليست مجرد مصدر للإنتاج، وإنما مصدر دخل واستقرار لعائلات فلسطينية.
وبذلك يصبح فتح الأسواق أمام المنتج الزراعي جزءاً من منظومة أوسع لدعم المزارع الذي يواجه في الوقت نفسه تحديات الوصول إلى الأرض وارتفاع كلفة الإنتاج وصعوبة التسويق.
الاقتصاد المحلي يحتاج إلى حركة
في مدينة تعاني من ضيق الحال وتراجع القدرة الشرائية والظروف الاقتصادية الضاغطة، لا يمكن النظر إلى أي نشاط تسويقي باعتباره حدثاً هامشياً.
فالزائر الذي يأتي إلى المهرجان لشراء العنب لا يشتري بالضرورة العنب وحده؛ فقد يشتري منتجاً ريفياً، أو يتوجه إلى محل تجاري، أو مقهى، أو مطعم، أو سوق آخر.
وهذه هي الفكرة الأوسع في تنشيط الأسواق: تحريك قطاع اقتصادي يمكن أن ينعكس على قطاعات أخرى.
وقد أظهرت تجارب مهرجانات العنب في مناطق فلسطينية أخرى أن النشاط التسويقي يمكن أن يتجاوز بيع المحصول إلى تنشيط الحركة التجارية والسياحة الداخلية عندما يجذب زواراً من مناطق مختلفة.
من مهرجان موسمي إلى سياسة تسويقية مستدامة
المطلوب الآن هو ألا ينتهي أثر مهرجان العنب بانتهاء يومه.
فالمدينة بحاجة إلى برنامج مستمر للأيام التسويقية، وسوق شعبي منظم، وربط المنتجين بالمحال التجارية والمطاعم والمؤسسات، وتشجيع الشراء المباشر من المزارع، وتطوير أساليب التعبئة والتغليف والعرض، وفتح قنوات تسويق جديدة أمام التعاونيات والأسر المنتجة.
كما أن تطوير سوق الخضار المركزي يمثل مساراً مكملاً، إذ يستهدف تحسين البنية التحتية والحوكمة والخدمات بما يعزز قدرة المنتجات الزراعية على الوصول إلى الأسواق ويخدم المزارعين والتجار والمستهلكين.
وهكذا يصبح المهرجان حلقة في سلسلة اقتصادية متكاملة: أرض تنتج، ومزارع يصمد، ومنتج يصل، وسوق يستقبل، ومستهلك يشتري، ومدينة تتحرك.
رسالة من طولكرم
في النهاية، فإن مهرجان العنب والمنتجات الريفية في طولكرم لا يختزل في عناقيد العنب المعروضة على الطاولات.
إنه مشهد يجمع بين المزارع الذي يبحث عن سوق، والأسرة التي تبحث عن دخل، والمستهلك الذي يبحث عن سعر مناسب، والمدينة التي تحتاج إلى استعادة حركتها التجارية، والمؤسسات التي تبحث عن حلول عملية في ظروف اقتصادية صعبة.
والرهان الحقيقي هو تحويل هذه الفعاليات من مواسم مؤقتة إلى منظومة تسويق دائمة، ومن تنظيم البسطات إلى تنظيم السوق، ومن بيع محصول ليوم واحد إلى بناء اقتصاد محلي أكثر ترابطاً.
فطولكرم لا تحتاج فقط إلى سوق منظم، بل إلى سوق حيّ؛ سوق يحافظ على النظام ويصون كرامة البائع، ويخدم المزارع، ويتيح للمستهلك خيارات مناسبة، ويعيد إلى قلب المدينة جزءاً من دورها التجاري والاقتصادي.
وفي زمن ضيق الحال، قد تبدو الخطوات الصغيرة محدودة الأثر، لكنها عندما تتكامل بين الزراعة والتجارة والبلدية والمؤسسات والمستهلك، يمكن أن تتحول إلى حركة اقتصادية حقيقية؛ لأن إنعاش السوق يبدأ من المنتج، ويكتمل بالمستهلك، ويحتاج إلى مكان منظم يجمع الاثنين.