حصار واشنطن يسقط أمام إرادة فلسطين: الأمم المتحدة تفتح منبرها للرئيس عباس
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
حصار واشنطن يسقط أمام إرادة فلسطين: الأمم المتحدة تفتح منبرها للرئيس عباس
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ورئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم يكن قرار الولايات المتحدة تجديد رفض منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة شخصيًا في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد إجراء إداري عابر، بل فتح من جديد ملفًا قانونيًا وسياسيًا بالغ الحساسية يتعلق بالتزامات الدولة المضيفة تجاه المنظمة الدولية وحق الوفود المدعوة إلى مقر الأمم المتحدة في الوصول إليه.
والتطور الأبرز جاء في 17 أيلول/سبتمبر 2026، عندما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية 152 صوتًا مقابل 3 أصوات و4 امتناعات، السماح للرئيس محمود عباس بتوجيه خطاب إلى المناقشة العامة رفيعة المستوى عبر تسجيل مصور، بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة الدخول للعام الثاني على التوالي.
وهنا تكمن دلالة المشهد: واشنطن تستطيع منع دخول الرئيس الفلسطيني إلى الأراضي الأمريكية، لكنها لا تستطيع منع القضية الفلسطينية من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة.
اتفاقية المقر ليست تفصيلًا ثانويًا
ينبغي التعامل مع المسألة من زاوية قانونية دقيقة. فاتفاق المقر بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة لعام 1947 يتضمن في القسمين 11 و13 التزامات تتعلق بحرية انتقال ممثلي الدول والأشخاص المدعوين رسميًا إلى مقر المنظمة، وينص على منح التأشيرات للأشخاص المشمولين بهذه الأحكام دون رسوم وبأسرع ما يمكن. كما يؤكد القسم 12 أن هذه التسهيلات تطبق بصرف النظر عن طبيعة العلاقات القائمة بين حكومة الشخص المعني وحكومة الولايات المتحدة.
لكن الصورة القانونية ليست بهذه البساطة؛ فالولايات المتحدة تتمسك في المقابل بصلاحياتها المتعلقة بدخول الأجانب وباعتبارات الأمن والسياسة الخارجية، كما أن وضع فلسطين القانوني في الأمم المتحدة هو دولة مراقب غير عضو، وليس دولة عضوًا كامل العضوية. ولذلك فإن توصيف القرار الأمريكي بأنه «انتهاك صارخ» ينبغي أن يظل محل تحليل قانوني، لا حكمًا قضائيًا محسومًا، ما لم يصدر تفسير ملزم من الجهة القضائية المختصة.
وهذه الدقة لا تضعف الموقف الفلسطيني؛ بل تمنحه قوة ومصداقية أكبر.
الجمعية العامة ترسم خطًا فاصلًا
قرار الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة لم يكن مجرد ترتيب تقني لإتاحة بث خطاب عبر الشاشة. فهو يعكس اتساع التأييد داخل الجمعية العامة لحق فلسطين في المشاركة السياسية والدبلوماسية، ويؤكد في الوقت نفسه أن قرار الدولة المضيفة لا يملك وحده تحديد شكل الحضور الفلسطيني في المنظومة الدولية.
واللافت أن القرار جاء بعد أن مددت واشنطن القيود على تأشيرات مسؤولين من منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، مبررة ذلك، وفق وزارة الخارجية الأمريكية، بما تعتبره إخلالًا بالتزامات سابقة وبالاعتراض على اللجوء الفلسطيني إلى المؤسسات القضائية الدولية، بما فيها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
في المقابل، قالت السلطة الفلسطينية إن اللجوء إلى المؤسسات الدولية والقانون الدولي حق مشروع ووسيلة سلمية لحماية الحقوق الفلسطينية، وإن القيود الأمريكية تقوض فرص استعادة الثقة والمسار السياسي.
وبذلك يصبح الخلاف واضح المعالم: واشنطن تربط التأشيرات باعتبارات سياسية والتزامات ترى أن الجانب الفلسطيني لم يفِ بها، بينما ترى القيادة الفلسطينية أن استخدام المؤسسات الدولية والقانون الدولي جزء من حقوقها وأدواتها الدبلوماسية.
المفارقة الإيرانية تزيد الأسئلة
تزامن القرار مع منح الولايات المتحدة تأشيرات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، مع فرض قيود على تحركات الوفد الإيراني داخل نيويورك.
وهذه المفارقة ستدفع حتمًا إلى مزيد من النقاش حول كيفية تطبيق الولايات المتحدة لالتزاماتها كدولة مضيفة، ومدى اتساق القيود المفروضة على الوفود المختلفة مع نظام مقر الأمم المتحدة.
غير أن المقارنة ينبغي ألا تتحول إلى حكم سياسي مسبق؛ فلكل حالة أساس قانوني وإداري وظروف سياسية مختلفة.
فلسطين حاضرة ولو غاب الرئيس
المشهد الأهم أن غياب الرئيس عباس عن قاعة الجمعية العامة لا يعني غياب فلسطين.
فقد حافظت فلسطين على حضورها الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة، بينما أتاح قرار الجمعية العامة للرئيس عباس أن يخاطب قادة العالم عبر تسجيل مصور. وهكذا تحولت محاولة تقييد الحضور الشخصي إلى مناسبة لإعادة طرح السؤال الأوسع: هل تستطيع الدولة المضيفة التحكم في مضمون المشاركة السياسية للأمم المتحدة، أم أن المنظمة الدولية قادرة على توفير بدائل تحفظ مشاركة الوفود المدعوة؟
التجربة الحالية تقدم إجابة عملية، وإن كانت مؤقتة: يمكن تعطيل الحضور الجسدي، لكن يصعب تعطيل الحضور السياسي والقانوني.
المطلوب فلسطينيًا: القانون قبل الانفعال
المطلوب الآن ألا تتحول القضية إلى مجرد مواجهة إعلامية مع واشنطن، بل إلى ملف قانوني ودبلوماسي موثق.
أولًا، دراسة اتفاق المقر لعام 1947 دراسة قانونية متكاملة، وتوثيق جميع السوابق والمواقف الأممية ذات الصلة.
ثانيًا، الاستفادة من تجربة عامي 2025 و2026 لإثارة مسألة ضمان مشاركة الوفود الفلسطينية في اجتماعات الأمم المتحدة بصورة منتظمة، بدل معالجة الأزمة باعتبارها حادثة موسمية.
ثالثًا، مواصلة التحرك داخل الجمعية العامة ولجنة العلاقات مع الدولة المضيفة، مع الاستناد إلى السوابق الأممية؛ فقد سبق للأمم المتحدة أن ناقشت في حالات تاريخية حق ممثلي منظمة التحرير في الوصول إلى مقر المنظمة، بما في ذلك في سياق أزمة تأشيرة ياسر عرفات عام 1988.
رابعًا، دراسة الخيارات القانونية المتاحة بعناية، بما في ذلك مدى إمكانية اللجوء إلى آليات الأمم المتحدة أو طلب رأي قانوني بشأن تفسير الالتزامات الناشئة عن اتفاق المقر، دون القفز إلى نتيجة قانونية قبل استكمال عناصر الاختصاص والصفة والمصلحة.
الخلاصة
ما جرى في نيويورك ليس مجرد خلاف على تأشيرة دخول.
إنه اختبار مزدوج: اختبار لمدى قدرة الدولة المضيفة على التوفيق بين قوانينها وسياساتها من جهة، والتزاماتها تجاه الأمم المتحدة من جهة أخرى؛ واختبار لقدرة فلسطين على تحويل أزماتها السياسية إلى ملفات قانونية ودبلوماسية مؤثرة.
لقد مُنع الرئيس محمود عباس من الوصول شخصيًا إلى نيويورك، لكن الجمعية العامة فتحت له منبرها من جديد.
وبأغلبية 152 دولة، جاء القرار ليؤكد أن الحضور الفلسطيني في الأمم المتحدة لا يتوقف على قرار إداري أمريكي منفرد.
والرسالة الأهم لفلسطين ليست الاحتفال بخطاب عبر الشاشة، وإنما تحويل هذه الواقعة إلى مسار مؤسسي طويل الأمد: التمسك بالقانون الدولي، وتفعيل الدبلوماسية متعددة الأطراف، وحماية التمثيل الفلسطيني، وتوسيع الحضور داخل المؤسسات الدولية، بعيدًا عن ردود الفعل الآنية.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى معركة شعارات مع أحد؛ إنها تحتاج إلى تراكم قانوني ودبلوماسي يجعل الحق الفلسطيني حاضرًا في كل منصة، حتى عندما تُغلق أمامه بعض الأبواب.



